وصلني سؤال يقول:
ما حكم الانتحار، وهل مرتكب هذا الفعل كافر؟
الجواب:
الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب؛ وذلك للأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَديدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا"، وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ في الدُّنْيا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ" (أخرجه البخاري ومسلم).
وفي الصحيحين أيضاً عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَانَ فيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِها يَدَهُ فَما رَقَأَ الدَّمُ حَتّى مَاتَ، قَالَ اللهُ تَعالَى بادَرَنِي عَبْدي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".
إلا أن ارتكاب المسلم لهذه الذنوب أو غيرها ما عدا الشرك بالله تعالى وموته عليها من غير توبة لا يخرجه ذلك عن ملة الإسلام، بل هو تحت مشيئة الله يرجى له الرحمة والمغفرة كما هو معتقد أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة، ومما يستدل به على هذا وبشأن قاتل النفس خصوصاً دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للذي قتل نفسه، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه وفيه: فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَمَرِضَ فَجَزِعَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ»".
وقد بوب الإمام النووي –رحمه الله- لهذا الحديث بقوله: "باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر"، ثم قال معلقاً على هذا الحديث: "فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة". (شرح النووي على مسلم، 2/ 132).
وهذا كله يدل على أن المنتحر لا يخرج بذلك عن كونه مسلماً، لكنه ارتكب كبيرة فيسمى فاسقاً، ولذلك ذهب الفقهاء إلى غسله، والصلاة عليه، ودفنه، وأما ما جاء في الأحاديث من خلود المنتحر في النار فهذا محمول على من استعجل الموت بالانتحار، واستحله، فإنه يصير باستحلاله كافراً؛ لأن مستحل الكبيرة كافر عند أهل السنة، والكافر مخلد في النار بلا ريب، وقيل: بأن هذه الأحاديث وردت مورد الزجر والتغليظ، وحقيقتها غير مرادة.(الموسوعة الفقهية الكويتية، 6/292 بتصرف).
وأما بالنسبة للصلاة على المنتحر فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه، عقوبةً له، وزجراً لغيره أن يفعل فعله، وأذن للناس أن يصلوا عليه، فيسن لأهل العلم والفضل ترك الصلاة على المنتحر تأسيّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما أخرجه مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: ( أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمَشاقص فلم يصل عليه).
قال الإمام النووي - رحمه الله-" "المَشاقص: سهام عراض، وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه , وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي, وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يصلى عليه, وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس عن مثل فعله, وصلت عليه الصحابة". (شرح النووي على مسلم، 7/ 47).
وبناء على ما سبق: يتبين لنا أن الانتحار من كبائر الذنوب، وأن مذهب أهل السنة أنه إذا مات على هذا الفعل أمره إلى الله تعالى، وأنه يجوز الصلاة عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه زجراً وعقوبة له وأذن للناس بالصلاة عليه. والله أعلم.
كتبه
د: أحمد عرفة
عضو هيئة التدريس بقسم الفقه المقارن
بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالديدامون- شرقية
جامعة الأزهر الشريف