الخميس، 16 أبريل 2026

حكم الانتحار، وهل المنتحر كافر؟ د/ أحمد عرفة

وصلني سؤال يقول:

ما حكم الانتحار، وهل مرتكب هذا الفعل كافر؟

الجواب:

الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب؛ وذلك للأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَديدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا"، وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ في الدُّنْيا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ" (أخرجه البخاري ومسلم).

وفي الصحيحين أيضاً عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَانَ فيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِها يَدَهُ فَما رَقَأَ الدَّمُ حَتّى مَاتَ، قَالَ اللهُ تَعالَى بادَرَنِي عَبْدي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".

إلا أن ارتكاب المسلم لهذه الذنوب أو غيرها ما عدا الشرك بالله تعالى وموته عليها من غير توبة لا يخرجه ذلك عن ملة الإسلام، بل هو تحت مشيئة الله يرجى له الرحمة والمغفرة كما هو معتقد أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة، ومما يستدل به على هذا وبشأن قاتل النفس خصوصاً دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للذي قتل نفسه، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه وفيه: فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَمَرِضَ فَجَزِعَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ»".

وقد بوب الإمام النووي –رحمه الله- لهذا الحديث بقوله: "باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر"، ثم قال معلقاً على هذا الحديث: "فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة". (شرح النووي على مسلم، 2/ 132).

وهذا كله يدل على أن المنتحر لا يخرج بذلك عن كونه مسلماً، لكنه ارتكب كبيرة فيسمى فاسقاً، ولذلك ذهب الفقهاء إلى غسله، والصلاة عليه، ودفنه، وأما ما جاء في الأحاديث من خلود المنتحر في النار فهذا محمول على من استعجل الموت بالانتحار، واستحله، فإنه يصير باستحلاله كافراً؛ لأن مستحل الكبيرة كافر عند أهل السنة، والكافر مخلد في النار بلا ريب، وقيل: بأن هذه الأحاديث وردت مورد الزجر والتغليظ، وحقيقتها غير مرادة.(الموسوعة الفقهية الكويتية، 6/292 بتصرف).

وأما بالنسبة للصلاة على المنتحر فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه، عقوبةً له، وزجراً لغيره أن يفعل فعله، وأذن للناس أن يصلوا عليه، فيسن لأهل العلم والفضل ترك الصلاة على المنتحر تأسيّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما أخرجه مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: ( أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمَشاقص فلم يصل عليه).

    قال الإمام النووي - رحمه الله-" "المَشاقص: سهام عراض، وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه , وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي, وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يصلى عليه, وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس عن مثل فعله, وصلت عليه الصحابة". (شرح النووي على مسلم، 7/ 47).

وبناء على ما سبق: يتبين لنا أن الانتحار من كبائر الذنوب، وأن مذهب أهل السنة أنه إذا مات على هذا الفعل أمره إلى الله تعالى، وأنه يجوز الصلاة عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه زجراً وعقوبة له وأذن للناس بالصلاة عليه. والله أعلم.

 

كتبه

د: أحمد عرفة

عضو هيئة التدريس بقسم الفقه المقارن

بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالديدامون- شرقية

جامعة الأزهر الشريف

الاثنين، 30 مارس 2026

زكاة الفطر، 1447هـ- 2026م د/ أحمد عرفة

 زكاة الفطر، 1447هـ- 2026م د/ أحمد عرفة

https://www.youtube.com/watch?v=Dl8NUK1flyM 

كتاب ننصح به، الجمع بين الصلاتين


 

هذه دراسة من الدراسات العلمية المتخصصة في بابها
الجمع بين الصلاتين
دراسة فقهية مقارنة
من إصدارات مكتبة الرشد، السعودية، الطبعة الأولى 2012م
وقد استوعب فيها المؤلف الموضوع من جميع جوانبه على المذاهب الفقهية الأربعة مع بيان القول الراجح في المسائل المختلف فيها.
ومثل هذا النوع من الدراسات الفقهية المقارنة هو الذي تحتاجه المكتبة الفقهية في أبواب الفقه المختلفة والنوازل الفقهية المعاصرة.
وفق الله الجميع، والحمد لله رب العالمين.

الأموال التي تجب فيها الزكاة

 الأموال التي تجب فيها الزكاة
الزكاة عبادة مالية تجب في أموال مخصوصة حددها الشرع الحنيف، وهذه الأموال بالاستقراء لا تخرج عن ثمانية أصول، وهي:
الأصل الأول: النقدان من الذهب والفضة، ويقاس عليها (النقود) بعلة الثمنية.
الأصل الثاني: عروض التجارة (الأصول التجارية المعدة لبيع أعيانها).
الأصل الثالث: المستغلات (الأصول التأجيرية المعدة لبيع منافعها دون أصولها).
الأصل الرابع: الإبل.
الأصل الخامس: البقر.
الأصل السادس: الغنم.
 الأصل السابع: الزروع والثمار.
الأصل الثامن: الركاز والمعادن.
ينظر: التجديد في فقه الزكاة ومحاسبتها للشركات والأفراد، د/ رياض منصور الخليفي، ط/ مكتبة الإمام الذهبي، الكويت، الطبعة الأولى 1441هـ- 2020م، صـ 20 وما بعدها.

خطبة جمعة بعنوان: التوبة والرجوع إلى الله تعالى د/ أحمد عرفة

 خطبة جمعة بعنوان: التوبة والرجوع إلى الله تعالى د/ أحمد عرفة 

https://www.youtube.com/watch?v=ycLONNRp_pE

كلمة عزاء بتاريخ 17 مارس 2026م، د/ أحمد عرفة

 كلمة عزاء بتاريخ 17 مارس 2026م، د/ أحمد عرفة

https://www.youtube.com/watch?v=t68tgz3kK5c 

كلمة الدكتور/ أحمد عرفة في حفل تكريم حفظة القرآن بالمسجد الكبير بقرية الأحراز مارس 2026م

 
كلمة الدكتور/ أحمد عرفة في حفل تكريم حفظة القرآن بالمسجد الكبير بقرية الأحراز مارس 2026مhttps://www.youtube.com/watch?v=DMAhs2uomcE

خطبة جمعة بعنوان: بر الوالدين، 1 شوال 1447هـ- 20 مارس 2026م، د/ أحمد عرفة

 خطبة جمعة بعنوان: بر الوالدين، 1 شوال 1447هـ- 20 مارس 2026م، د/ أحمد عرفة

https://www.youtube.com/watch?v=fEvtIB_FX10 

خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1447هـ- 2026م د/ أحمد عرفة

خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1447هـ- 2026م د/ أحمد عرفة 

https://www.youtube.com/watch?v=tNBig-vBpz4

السبت، 2 أغسطس 2025

المنهج الفقهي والمسائل الاقتصادية

 #للباحثين_وطلاب_الدراسات_العليا_
هذه سطور مضيئة في الاقتصاد والمعاملات المالية ربما تفتح الآفاق لبعض الباحثين في ابتكار بعض الأفكار والموضوعات البحثية، وقد عنونت لها ب:

المنهج الفقهي والمسائل الاقتصادية

وها أنا أنقل لكم هذه الفقرات من هذا الكتاب القيم للأستاذ الدكتور/ علي حسن عبد القادر رحمه الله تعالى حيث يقول:

(إن دراسة المنهج الفقهي بوجه عام تقضي بدراسة الأسس الاقتصادية التي أثرت في نماء هذا الفقه وتطوره بجانب العوامل الأخرى الدينية والاجتماعية.

ذلك أن الأنظمة القانونية هي وليدة ظروف اقتصادية في الدرجة الأولى، نتج عنها طبيعة تفكير الناس وأسلوب حياتهم.

ومن هنا كان الاقتصاد عاملا أساسيا في تطور الفقه وتكونه من بين العوامل الأخرى.

ولا نبالغ إذا قلنا أن ارتباط النشاط الفقهي بالنشاط الاقتصادي يتجلى واضحا في عصر النهضة الإسلامية وعصر الركود، وبعبارة أخرى في عصر الاجتهاد وعصر التقليد ومحاولات الفقهاء تطبيق أصول الفقه في الأزمنة والأمكنة المختلفة، وفي هذه المراحل تجلت ظواهر مختلفة في تطور الفقه والرأي يتبينها المتتبع الباحث في نوعية الفقه والآراء والتطبيقات الاقتصادية الفقهية، وفي مثل القضاء والفتيا في الأمصار المختلفة.

وأيا كان الأمر فإن هذه الدراسات الفقهية الاقتصادية مع أهميتها لم تحظ بالبحث والتفكير، وإن كنا نرى الآن في البلاد الإسلامية حركات قوية وظواهر جدية تستحق التقدير والنظر، وهذه هي نقطة التحول الذي تنتظر في التطور الجديد وموقف الإسلام من هذه التغييرات والنظريات الجديدة في الاقتصاد والاجتماع).

ينظر: دراسات في الاقتصاد الإسلامي والمعاملات المعاصرة، د: علي حسن عبد القادر، ص ٢١ وما بعدها.

ومضات بحثية #للباحثين_وطلاب_الدراسات_العليا_ الرجوع إلى أهل التخصص

 ومضات بحثية
#للباحثين_وطلاب_الدراسات_العليا_

الرجوع إلى أهل التخصص
من أهم ما يجب على الباحث في الفقه والفقه المقارن والقضايا المعاصرة عند تناول النوازل والمستجدات المعاصرة أن يرجع إلى أهل التخصص لضبط تصور المسألة تصورا علميا صحيحا، وذلك لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.

لذلك إذا أراد أن يبحث في مسألة اقتصادية عليه الرجوع إلى أساتذة التخصص وكتب الاقتصاد حتى يفهم التصور للمسألة ثم بعد ذلك يقوم بالتكييف الفقهي لها في ضوء هذا التصور.

وكذلك الحال إذا كانت القضية من القضايا الطبية المعاصرة عليه أن يرجع إلى الأطباء وإلى المراجع الطبية المتخصصة في المسألة التي يريد بحثها، وذلك حتى يكون التكييف الفقهي للمسألة صحيحا في هذا التصور.

وهكذا في سائر المسائل والمستجدات الفقهية المعاصرة، لا بد من الرجوع إلى أهل التخصص لفهم التصور ثم الحكم على المسألة من الناحية الفقهية.

أما أن نتكلم في النوازل والقضايا المعاصرة دون هذا التصور فقد يكون الحكم به الكثير من الملاحظات التي ربما تخرج لما بعض الفتاوى المتشددة دون حاجة إلى هذا التشدد لا سيما إذا كان هناك مخرج شرعي من عالم أو باحث متخصص في هذا الشأن.

وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه اللهم آمين يارب العالمين

كتبه
د: أحمد عرفة
عضو هيئة التدريس بقسم الفقه المقارن
بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالديدامون شرقية
جامعة الأزهر الشريف