الخميس، 12 ديسمبر 2013

مكانة العلم والعلماء



مكانة العلم والعلماء
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبعد:
فإن من أجل الطاعات والقربات التى يتقرب بها العبد لخالقه ومولاه جل وعلا طلب العلم الشرعي النافع كى يعبد الله عز وجل على بصيرة ويبلغ دين الله تعالى للعباد على الوجه الذى أراده الله ، فما أحوجنا فى هذه الأيام إلى أن نتعرف من جديد على فضل العلم والعلماء فكما قيل : العلم شرف ومن ذاق عرف ومن عرف اغترف ، فتعالوا بنا نتعرف على مكانة العلم والعلماء فى هذه المقالة المتواضعة فنقول وبالله تعالى التوفيق:
أولاً : مكانة العلم والعلماء فى القرآن الكريم:
إن المتأمل والمتدبر فى القرآن الكريم يجد أن المولى سبحانه وتعالى قد أعطى العلم منزلة كبيرة ومكانة عالية ومن ذلك :
1-من فضل العلم وشرفه أن الله عز وجل استشهد بأهل العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده سبحانه وتعالى : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (سورة آل عمران:الآية:108) .
قال الإمام القرطبي رحمه الله : في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم ؛ فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء(تفسير القرطبي جـ4صـ40 طبعة دار عالم الكتب بالرياض).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله :استشهد سبحانه بأولى العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ) وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه :
أحدها : استشهادهم دون غيرهم من البشر .
والثاني : اقتران شهادتهم بشهادته .
والثالث : اقترانه بشهادة ملائكته .
والرابع : أن فى ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول ومن الأثر المعروف عن النبى صلى الله عليه وسلم (يحمل هذا العلم من خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) (مفتاح دار السعادة : جـ1صـ55 طبعة دار الكتب العلمية بيروت) 0
وقال الإمام بدر الدين بن جماعة رحمه الله : بدأ سبحانه بنفسه وثنَّى بملائكته وثلَّث بأهل العلم ،وكفاهم ذلك شرفاً وفضلا وجلالة ً ونبلا ً. (تذكرة السامع والمتكلم: صـ 41).
2- ومن فضل العلم وشرفه أنه سبحانه نفي التسوية بين أهله وبين غيرهم كما نفى التسوية بين أصحاب الجنة وأصحاب النار فقال سبحانه: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) (سورة الزمر:9) .
قال الإمام البيضاوي رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية : نفى لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيه باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم وقيل تقرير للأول على سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون. (تفسير البيضاوي جـ1صـ60).
3- ومن فضل العلم وشرفه أنه سبحانه جعل أهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون فقال تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ).( سورة الرعد:19).
4- ومن فضل العلم وشرفه أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب المزيد منه وهذا يعلم على فضل العلم وشرفه فقال تعالى : (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا).(طه:114).
قال الإمام القرطبي رحمه الله:فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم (تفسير القرطبي جـ4صـ40).
5 ومن فضل العلم وعلو منزلته :أن العلم حياة ونور والجهل موت وظلمة ، والشر كله عدم الحياة والنور ، والخير كله سببه النور والحياة ؛ فإن النور يكشف عن حقائق الأشياء ويبين مراتبها قال تعالى : (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). (سورة الأنعام:122) كان ميتاً بالجهل قلبه فأحياه بالعلم ، وجعل له من الإيمان نوراً يمشى به فى الناس.
6- ومن أهمية العلم ومنزلته عند المولى تبارك وتعالى دعوته للنفرة والتفقه فى الدين فقال تعالى : (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).(سورة التوبة:122).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : ندب تعالى المؤمنين إلى التفقه فى الدين وهو تعلمه وإنذار قومهم إذا رجعوا إليهم وهو التعليم .(مفتاح دار السعادة : جـ1 صـ63 ).
7- رفع الله تعالى درجات أولى العلم فقال تعالى  :(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).(سورة المجادلة : 11).
قال الإمام ابن حجر رحمه الله: قيل فى تفسيرها : يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم . ورفعة الدرجات تدل على الفضل ، إذ المراد به كثرة الثواب ، وبها ترتفع الدرجات ، ورفعتها تشمل المعنوية فى الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت ، والحسية فى الآخرة بعلو المنزلة فى الجنة.(فتح البارى جـ1صـ207).
وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : ما خص الله تعالى العلماء فى شئ من القرآن ما خصهم فى هذه الآية ، فضل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم.
8- أن العلماء هم أهل الخشية من الله سبحانه وتعالى : قال سبحانه : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ).(سورة فاطر: 28).
قال الشيخ السعدي رحمه الله: فكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية ،وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصى ، والاستعداد للقاء من يخشاه ، وهذا دليل على فضل العلم ، فإنه داع إلى خشية الله ، وأهل خشيته هم أهل كرامته. (تفسير السعدى صـ689).
وقال ابن مسعود رضى الله عنه : كفى بخشية الله علماً ، وكفى بالاغترار بالله جهلا.
9- ومن فضل العلم وشرفه أنه سبحانه وتعالى أمر بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم وجعل ذلك كالشهادة منهم فقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). (سورة النحل:43) ، وأهل الذكر هم أهل العلم بما أنزل على الأنبياء .
10 ومن  فضل العلم وشرفه أن أهل العلم هم المنتفعون بأمثال القرآن
قال الله تعالى:( وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ).(سورة العنكبوت:43)
قال البغوي رحمه الله : أى ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله.(معالم التنزيل:جـ6صـ243).
وقال ابن كثير رحمه الله: أى : وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون فى العلم المتعلمون عنه ، وكان بعض السلف إذا مر بمثل لا يفهمه يبكى ويقول : لست من العالمين(مفتاح دار السعادة:صـ58).






ثانياً: مكانة العلم والعلماء فى السنة النبوية:
جاءت فى السنة النبوية المطهرة أحاديث كثيرة تبين لنا فضل العلم ومكانة العلماء وما أعده الله عز وجل لهم من جزاء فى الدنيا والآخرة ومن ذلك :
1- بين النبى صلى الله عليه وسلم أن طلب العلم فريضة على كل مسلم:
فعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : (طلب العلم فريضة على كل مسلم )( أخرجه البيهقي وصححه الألباني فى صحيح الجامع رقم3913).
قال الإمام البيهقي رحمه الله: أراد - والله تعالى أعلم - العلم الذي لا يسع العاقل البالغ جهله ، أو علم ما يطرأ له خاصة فيسأل عنه حتى يعلمه ، أو أراد أنه فريضة على كل مسلم حتى يقوم به من فيه كفاية.
وقال الإمام البيضاوي رحمه الله : المراد من العلم ما لا مندوحة للعبد عن تعلمه ، كمعرفة الصانع والعلم بواحدنيته ، ونبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكيفية الصلاة ، فإن تعلمها فرض عين على كل مسلم أي مكلف ليخرج غير المكلف من الصبي والمجنون ، وموضوعه الشخص فيشمل الذكر والأنثى.(مشكاة المصابيح:جـ1صـ744).
2- ومن فضل العلم وشرفه أن طلب العلم طريق إلى الجنة : فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة )رواه مسلم.
قال الإمام القرطبى رحمه الله : أى : مشى فى تحصيل علم شرعى قاصداً به وجه الله تعالى جازاه الله عليه بأن يوصله إلى الجنة مسلماً مكرماً.(المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم : جـ 6 صـ 684 )0
وقال الإمام النووي رحمه الله : وفيه فضل المشى فى طلب العلم ، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعى بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى. (شرح صحيح مسلم : جـ17صـ192).
وقال الإمام ابن حجر رحمه الله :فيه بشارة بتسهيل العلم على طالبه ، لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة.(فتح البارى : جـ1صـ160).
3 ومن فضل العلم وشرفه رضا الملائكة بطالب العلم ووضع أجنحتها له
عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من سلك طريقاً يبتغى منه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ).(رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الألبانى فى صحيح الجامع رقم 6297 ) .
قال الإمام ابن حجر رحمه الله : قوله:( طريقاً) نكرها ونكر علماً : ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينية ، وليندرج فيه القليل والكثير، قوله:(سهل الله له طريقا) أي في الآخرة أو في الدنيا بأن يوفقه للأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة ، وفيه بشارة بتسهيل العلم على طالبه لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة(فتح البارى : جـ 1 صـ160 ).
فائدة : قال الإمام القرافى رحمه الله فى قوله صلى الله عليه وسلم :(وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع) : قيل : تكف عن الطيران فتجلس إليه لتسمع منه ، وقيل : تكف عن الطيران توقيراً له، وقيل : تكف عن الطيران ؛ لتبسط أجنحتها له بالدعاء ، ولو لم تعلم الملائكة أن منزلته عند الله تستحق ذلك لما فعلته فينبغى لكل أحد من الملوك فمن دونهم أن يتواضعوا لطلبة العلم ؛ اتباعاً لملائكة الله وخاصة ملكه (الذخيرة فى فروع المالكية:المقدمة).
4 ومن فضل العلم وشرفه أن الفقه فى الدين سبب من أسباب الحصول على الخير: عن معاوية رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:(من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين )رواه البخاري ومسلم.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : وهذا يدل على أن من لم يفقهه فى دينه لم يرد به خيراً كما أن من أراد به خيراً فقهه فى دينه ، ومن فقهه فى دينه فقد أراد به خيراً إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل ، وأما إن أريد به مجرد العلم فلا يدل على أن من فقه فى الدين فقد أريد به خيراً فإن الفقه حينئذ يكون شرطاً لإرادة الخير وعلى الأول يكون موجباً والله أعلم.(مفتاح دار السعادة صـ67).
وقال ابن بطال رحمه الله: فيه دليل على فضل العلماء على سائر الناس، وفيه فضل الفقه فى الدين على سائر العلوم ، وإنما يثبت فضله لأنه يقود إلى خشية الله والتزام طاعته وتجنّب معاصيه.(شرح صحيح البخاري لابن بطال: جـ1صـ154).
5- ومن فضل العلم وشرفه أن العلم ميراث الأنبياء :
عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماًَ ، إنما ورثّوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).(أخرجه الترمذي فى سننه وصححه الألبانى فى صحيح سنن الترمذى رقم       2682)
قال الإمام ابن القيم رحمه الله  : هذا من أعظم المناقب لأهل العلم فإن الأنبياء خير خلق الله فورثتهم خير الخلق بعدهم ، ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم فى تبليغ ما أرسلوا به إلا العلماء كانوا أحق الناس بميراثهم. (مفتاح دار السعادة صـ73 ).
6- من فضل العلماء وشرفهم وعلو منزلتهم أن النبى صلى الله عليه وسلم بين أنهم ورثة الأنبياء : عن أبى أمامة الباهلى رضى الله عنه قال : ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عالم والآخر عابد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة فى جحرها وحتى الحوت فى بحره ليصلون على معلمي الناس الخير).(أخرجه الترمذي فى سننه وصححه الألباني فى صحيح سنن الترمذي حديث رقم 2685) ، وفى بيان سبب تفضيل العالم على العابد يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: أن الشيطان يضع البدعة فيبصرها العالم وينهى عنها والعابد مقبل على عبادة ربه لا يتوجه لها ولا يعرفها وهذا معناه صحيح فإن العالم يفسد على الشيطان ما يسعى فيه ويهدم ما يبنيه فكل ما أراد إحياء بدعة وإماتة سنة حال العالم بينه وبين ذلك فلا شيء اشد عليه من بقاء العالم بين ظهراني الأمة ولا شيء أحب إليه من زواله من بين أظهرهم ليتمكن من إفساد الدين وإغواء الأمة وأما العابد فغايته أن يجاهده ليسلم منه في خاصة نفسه وهيهات له.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله : وقوله: (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض يصلون على معلم الناس الخير):  لما كان تعليمه للناس الخير سبباً لنجاتهم وسعادتهم وزكاة نفوسهم جازاه الله من جنس عمله بأن جعل عليه من صلاته وصلاة ملائكته وأهل الأرض ما يكون سبباً لنجاته وسعادته وفلاحه وأيضاً فإن معلم الناس الخير لما كان مظهراً لدين الرب وأحكامه ومعرفاً لهم بأسمائه وصفاته جعل الله من صلاته وصلاة أهل سمواته وأرضه عليه ما يكون تنويهاً به وتشريفاً له وإظهاراً للثناء عليه بين أهل السماء والأرض.(مفتاح دار السعادة صـ72).
وقال الإمام بدر الدين بن جماعة رحمه الله : واعلم أنه لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء له وتضع له أجنحتها وإنه لينافس فى دعاء الرجل الصالح أو من يظن صلاحه فكيف بدعاء الملائكة وقد اختلف فى معنى وضع أجنحتها فقيل التواضع له وقيل النزول عنده والحضور معه وقيل التوقير والتعظيم له وقيل معناه تحمله عليها فتعينه على بلوغ مقاصده ، وأما إلهام الحيوانات بالاستغفار لهم فقيل ؛ لأنها خلقت لمصالح العباد ومنافعهم والعلماء هم الذين يبينون ما يحل منها وما يحرم ويوصون بالإحسان إليها ونفى الضرر عنها.(تذكرة السامع والمتكلم: صـ 52 – 55).
7-  ومن فضل العلماء وشرفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهم بالنضارة :
عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" نضر الله امرأ سمع منا حديثا ، فحفظه حتى يبلغه غيره ، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "(أخرجه أبو داود وابن ماجة وصححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود حديث رقم 3660 ، وصحيح سنن ابن ماجة حديث رقم 229)0
قال الإمام المنذري رحمه الله :معناه الدعاء له بالنضارة وهى النعمة والبهجة والحسن ، فيكون تقديره : جّمله الله وزيّنه ، وقيل غير ذلك.(الترغيب والترهيب :جـ1 صـ108).
ثالثاً : مكانة العلم عند السلف الصالح رضوان الله عليهم:
جاءت عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم آثار كثيرة تبين لنا فضل العلم وشرفه وعلو منزلته فى الدنيا والآخرة ومنها :
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه : (تعلموا العلم فإن تعلُّمه لله ـ أي مخلصاً به ـ خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربة ـ أثمن هدية ـ وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والنصير في السرَّاء والضراء، والوزير عند الإخلاء, والقريـب عند القرباء، هو منـار سبيل الجنة، يرفـع الله به أقواماً يجعلهم في الخير قادة وسادة، يُقتدى بهم، يدل على الخير، وتقتفى به آثاره، يجعلك مع الملائكة والمُقَرَّبين، يسبِّح لك كل رَطْبٍ ويابس، تستغفر لك حتى الحيتان في البحر، وهوامُّ السِباع في البَر، به يطاع الله عزَّ وجل ـ وبه يُعْبَد الله عزَّ وجل، وبه يوحَّد الله عزَّ وجل، وبه يُمَجَّد الله عزَّ وجل، وبه يتورَّع الإنسان ـ يكون ورعاً ـ وبه توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال والحرام. هو إمام العمل يلهمه السُعداء ويحرم منه الأشقياء)(هذا الأثر ذكره الإمام ابن عبد البر رحمه الله فى كتابه جامع بيان العلم وفضله ( 77، 78 ) موقوف على معاذ ولا يصح رفعه).
وقال لقمان لابنه: (يا بنيّ لا تعلّم العلم لتباهي به العلماء أو لتماري به السّفهاء، أو ترائي به في المجالس، ولا تترك العلم زهدا فيه ورغبة في الجهالة، يا بنيّ، اختر المجالس على عينك، وإذا رأيت قوما يذكرون اللّه فاجلس معهم، فإنّك إن تكن عالما ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا يعلّموك، ولعلّ اللّه أن يطّلع عليهم برحمة فيصيبك بها معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون اللّه فلا تجلس معهم، فإنّك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا زادوك غيّا أو عيّا ، ولعلّ اللّه يطّلع عليهم بعذاب فيصيبك معهم).
وقال عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه لرجل من أصحابه: يا كميل:(العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النّفقة، والعلم يزكو بالإنفاق).
وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه : كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح به إذا نسب إليه ، وكفى بالجهل ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه .
وعن ابن عمر رضى الله عنهما : مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة .
وعن سفيان الثوري والشافعي رضى الله عنهما : ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم .
وعن الزهري رحمه الله : ما عُبد الله بمثل الفقه .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه : عليكم بالعلم قبل أن يرفع ورفعه موت رواته فو الذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله علماء لما يرون من كرامتهم فإن أحدا لم يولد عالما وإنما العلم بالتعلم.(إحياء علوم الدين:جـ1صـ8).
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : من أحب أن يكون للأنبياء وارثاً وفي مزارعهم حارثاً فليتعلم العلم النافع وهو علم الدين ففي الحديث:(العلماء ورثة الأنبياء) وليحضر مجالس العلماء فإنها رياض الجنة ومن أحب أن يعلم ما نصيبه من عناية الله فلينظر ما نصيبه من الفقه في دين الله ففي الحديث:(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) ، ومن سأل عن طريق تبلغه الجنة فليمش إلى مجلس العلم ففي الحديث من سلك طريقا يلتمس فيها علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ومن أحب ألا ينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم بالتدوين والتعليم ففي الحديث:(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له(التذكرة فى الوعظ صـ55).
وقال الإمام ابن حزم رحمه الله: لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهال يهابونك ويجلونك ، وأن العلماء يحبونك ويكرمونك لكان ذلك سببا إلى وجوب طلبه فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة ، ولو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء ويغبط نظراءه من الجهال لكان ذلك سبباً إلى وجوب الفرار عنه فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع المشتغل به عن الوساوس المضنية ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس لكان ذلك أعظم داع إليه فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره.(الأخلاق والسير في مداواة النفوس : جـ 1 صـ 21 – 25).
كانت هذه بعض فضائل العلم والعلماء فى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وبعض من أقوال السلف الصالح رضوان الله عليهم والعلماء الربانيين فى عظيم مكانة العلم وعلو مكانة أهله العاملين به ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح إنه ولى ذلك والقادر عليه اللهم آمين.
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل
                                                                                             
                                                                                                 كتبه
أبو معاذ أحمد بن عرفة
محاضر بوزارة الأوقاف
ومعيد بقسم الفقه المقارن جامعة الأزهر
وعضو الجمعية الفقهية السعودية
00201119133367

فضائل القرآن وآداب تلاوته



فضائل القرآن وآداب تلاوته
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن المتأمل في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يجد أن للقرآن الكريم فضائل عظيمة ومنزلة جليلة عند الله عز وجل إذ هو كلام الله جل جلاله المتعبد بتلاوته ، المتحدى بأقصر سورة منه ، فيه الشفاء الحقيقى لمن تمسك به وعمل بما جاء فيه ، وفيه الخروج من الفتن والبدع والضلالات ، وفيه النور المبين لمن تمسك به واتبع أوامره واجتنب نواهيه ووقف عند حدود ، فتعالوا بنا نتعرف على فضائله ومكانته فى هذه المقالة المتواضعة.
أولاً: فضائل القرآن الكريم فى الكتاب والسنة:
1- القرآن الكريم نور: قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ (53)) [الشورى:52- 53] ، وقال عز وجل: (قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16)) [المائدة: 15، 16].
وأخرج ابن حبان بسند صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أوصني قال: (عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض، وذخر لك في السماء).
2- القرآن الكريم شفاء: قال ربنا تبارك وتعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا (82)) [الإسراء: 82].
في القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان فأشرقت، وتفتحت لتلقى ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان ، وفي القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيرضى ويستروح الرضا من الله والرضا عن الحياة، والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين ، وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان ، وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير فهو يعصم العقل من الشطط ، وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء المجتمعات (ري الظمآن صـ166).
3- القرآن الكريم هداية :قال المولى جل جلاله:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9)وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)[الإسراء:9- 10].
4- القرآن الكريم سبيل النجاة: وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن فى التمسك بالقرآن الكريم مخرج من الفتن وعصمة من الزلل أخرج الإمام الترمذي والدارمي وغيرهما بسند فيه مقال عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستكون فتن، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تعالى؛ فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل! من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم).
5- القرآن الكريم يشفع لصاحبه يوم القيامة:أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران، تحاجان عن صاحبهما).
وأخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أ] رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قيل: فيشفعان) صحيح الجامع (3882).
6- الخير كل الخير فى تعلم القرآن الكريم وتعليمه: أخرج البخاري في صحيحه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
7- القارئ للقرآن الكريم فى أعلى الدرجات وأرقى المنازل: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران) ، وأخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها).
8- الرفعة الحقيقية بالقرآن الكريم :وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).
9- ثواب قراءة القرآن الكريم مضاعف: أخرج الإمام الترمذي في سننه، والحاكم في المستدرك بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)صحيح الجامع (6469).
وأخرج الإمام الترمذي في سننه، والحاكم في المستدرك بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق، ويزداد بكل آية حسنة)صحيح الجامع (8030).
10-أهل القرآن أهل الله وخاصته: أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تعالى أهلين من الناس، أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) صحيح الجامع (2165).
11- النظر فى القرآن الكريم علامة الحب: أخرج أبو نعيم في "الحلية" والبيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سره أن يحب الله ورسوله فلينظر في المصحف)صحيح الجامع (6289).
ثانياً: من آثار السلف الصالح فى فضل القرآن وأهله:
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: (لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم سبحانه وتعالى).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أراد أن يعلم أنه يحب الله فليعرض نفسه على القرآن فإن أحب القرآن فهو يحب الله فإنما القرآن كلام الله جل جلاله).
وقال خباب بن الأرت رضي الله عنه: (تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه).
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: (كفى بالله محباً، وبالقرآن مؤنساً، وبالموت واعظاً، اتخذ الله صاحباً، ودع الناس جانباً، وقال: من لم يستأنس بالقرآن فلا آنس الله وحشته).
وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: (ضمن الله عز وجل لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه سوء الحساب، ذلك بأن الله تعالى يقول: " فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ") [طه: 123-124].
وقال كعب الأحبار: (عليكم بالقرآن، فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب عهداً بالرحمن).
وقال محمد بن واسع رحمه الله: (القرآن بستان العارفين، فأينما حلو منه، حلوا في نزهة).
وقال أحد الصالحين لتلميذه: (أتحفظ القرآن؟ قال: لا. فقال: واغوثاه، يا الله لمريد لا يحفظ القرآن، فبم يتنعم، فبم يترنم؟ فبم يناجي مولاه؟.
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: (إن البيت ليتسع على أهله، وتحضره الملائكة، وتهجره الشياطين، ويكثر خيره أن يقرأ فيه القرآن، وإن البيت ليضيق على أهله، وتهجره الملائكة، وتحضره الشياطين، ويقل خيره أن لا يقرأ فيه القرآن).
وقال قتادة: (لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام بزيادة أو نقصان، قضاء الله الذي قضى "شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً).
وقال أحمد بن أبي الحواري- رحمه الله-: (سمعت ابن عينية يقول: "لا تبلغون ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أحب إليكم من الله عز وجل، فمن أحب القرآن فقد أحب الله عز وجل).
وقال مالك بن دينار- رحمه الله-: (يا حملة القرآن ماذا غرس القرآن في قلوبكم، فإن القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض، وقد ينزل الغيث من السماء إلى الأرض، فيصيب الحش فيكون فيه الحبة فلا يمنعها نتن موضعها أن تهتز وتخضر وتحسن، فيا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ أين أصحاب سورة، أين أصحاب جسورتين، ماذا عملتم فيها؟؟).
ثالثاً: آداب تلاوة القرآن الكريم:
1- الإخلاص لله عز وجل:لأن الإخلاص هو روح الأعمال، وهو كمالها، وسبب قبولها، ولما سئل أحد الصالحين: ما غاية الإخلاص؟ قال: ألا تحب محمدة الناس.
وفي الحديث: (إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة يقضي بين خلقه، فكل أمة جاثية، فأول من يدعى به رجل قد جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله تعالى للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل والنهار، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة كذبت، بل أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك، فيؤمر به إلى النار)رواه الترمذي والحاكم وصححه.
2- أن يكون القارئ على طهارة:فالطهارة من لوازم الأدب لقراءة القرآن الكريم قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) [الواقعة: 77-79].
3- أن يلبس القارئ أفضل الثياب:قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: 31] ، والمراد بالمسجد هنا قيل: كل صلاة، وقيل: المراد عند كل عبادة.. ولا شك أن قراءة القرآن من أعظم وأكرم العبادات وأفضلها.
4- أن يستعيذ القارئ بالله من الشيطان الرجيم:قال سبحانه: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)[النحل: 98] أي إذا أردت قراءة القرآن والأمر هنا محمول على الندب وهو الأصح.
5- البسملة:فيجب على القارئ أن يحافظ على قراءة البسملة عند ابتداء القراءة من أول السورة عدا سورة "براءة"فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف انقضاء السورة، والشروع في غيرها بالبسملة، إلا في هذه السورة بالذات.

والسنة أن يقطع البسملة عما بعدها أي يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يتوقف ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يتوقف، ثم يبدأ بقراءة السورة التي يريد قراءتها، فإذا أردت أن تقرأ من وسط السورة مثلاً فيكتفي بالاستعاذة.
6- ترتيل القرآن:قال تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) [المزمل: 4]، والترتيل هو قراءته على مهل مع تدبر وتفهم لحروفه، بحيث يتمكن السامع من عدها.
وقال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ) [البقرة: 121].
قال الإمام الغزالي- رحمه الله-: (تلاوة القرآن حق تلاوته: أن يشترك فيها اللسان بتصحيح الحروف، والعقل بتفسير المعاني، والقلب بالاتعاظ، فاللسان يرتل، والعقل ينزمر، والقلب يتعظ).
7- تحسين الصوت عند تلاوة القرآن:أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم) صحيح الجامع (3580).
8- أن يعتني بالسور التي ورد لها فضل فيكثر من قراءتها:كسورة الإخلاص مثلاً فقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة منها:ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يقر ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: من قرأ قل هو الله أحد في ليلته فقد قرأ ثلث القرآن).
قال بعض العلماء: إن القرآن أنزل أثلاثاً: ثلثاً منه وعد ووعيد، وثلثاً منه أسماء وصفات، وقد جمع قل هو الله أحد ثلثاً وهو الأسماء والصفات.
ومثل سورة الكهف: فقد ورد في فضلها أحاديث منها ما رواه مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من الدجال) وفي بعض طرقه من آخر سورة الكهف.
ومثل آية الكرسي: كما أخرج مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أبا المنذر أتدري أي آية في القرآن أعظم؟ قال: قلت: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" [البقرة: 255] قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر).
ومثل سورة الفاتحة: كما أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده، ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته).
9- استحباب طلب القراءة من حسن الصوت:كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (اقرأ عليّ القرآن) فقلت: يا رسول الله، أقرأ وعليك أنزل؟ قال: (إني أحب أن أسمعه من غيري) قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) [النساء: 41] فقال: (حسبك الآن) فالتفت، فإذا عيناه تذرفان.
10- أن يمسك عن القراءة إذا تثاءب:فإذا تثاءب أمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب ثم يقرأ.. قال مجاهد: وهو حسن ويدل عليه ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه، فإن الشيطان يدخل).
11- أن يختار الأوقات المفضلة:يقول الإمام النووي- رحمه الله-:اعلم أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة.. ومذهب الشافعي وغيره، أن تطويل القيام أفضل في الصلاة من تطويل السجود وغيره ، وأما القراءة في غير الصلاة: فأفضلها قراءة الليل.. والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف الأول ، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة.. وأما القراءة في النهار، فأفضلها بعد صلاة الصبح.. ولا كراهية في القراءة في وقت من الأوقات لمعنى فيه ،ويختار من الأيام: الجمعة والاثنين والخميس، ويوم عرفة، ومن الأعشار: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، ومن الشهور رمضان.
12- إذا مر بآية سجد سجدة:جمهور العلماء على أن سجود التلاوة سنة وليس بواجب لما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه قرأ على المنبر يوم الجمعة بسورة (النحل) حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس، إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر. وهو المجمع عليه.
وثبت في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم (النجم) فلم يسجد. وثبت في الصحيحين أيضاً أنه سجد في النجم، فدل على أنه ليس بواجب.
13- أن يتدبر القارئ في قراءته:قيل لبعض السلف: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بأي شيء؟فقال: أهناك شيء أحب إليَّ من كلام ربي حتى أحدث به نفسي (منهاج الصالحين في الآداب الإسلامية:للبحيري صـ64-79).
كانت هذه بعض فضائل القرآن الكريم فى الكتاب والسنة النبوية المطهرة وآداب تلاوته نسال الله تعالى أن يوفقنا وإياكم للعمل بها اللهم آمين وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وتقبل منا ومنكم صالح الأعمال اللهم آمين.
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل
                                                                                       كتبه
أبو معاذ أحمد بن عرفة
محاضر بوزارة الأوقاف  
ومعيد بقسم الفقه المقارن جامعة الأزهر
وعضو الجمعية الفقهية السعودية
00201119133367
Ahmedarafa11@yahoo.com

الاستغفار أمان أهل الأرض



الاستغفار أمان الأرض
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبعد:
قال بعض السلف: كان لنا أمانان، ذهب أحدهما وهو كون الرسول فينا، وبقي الاستغفار معنا، فإذا ذهب هلكنا.
كثير من الناس فى هذه الأيام التى نعيشها يبحث عن أمن وأمان له من هذه الفتن والمحن والابتلاءات التى نعيشها , ومن أعظم وسائل الأمن الاستغفار ، فبالاستغفار تغفر الخطايا والذنوب ، وبالاستغفار تكون البركة فى الأرزاق .
فتعالوا بنا فى هذه المقالة المتواضعة نتعرف على فضائل الاستغفار فى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة , وحال السلف الصالح رضوان الله عليهم مع هذه العبادة العظيمة.
أولاً: الاستغفار فى القرآن الكريم:
إن المتأمل والمتدبر لآيات القرآن الكريم يجد أن المولى سبحانه وتعالى قد بين لنا فضل ومكانة الاستغفار فى مواضع كثيرة من كتابه العزيز ومنها:
1-  من فضائل الاستغفار أن الله عز وجل أمرعباده به فى آيات كثيرة من القرآن الكريم ومنها:قوله تعالى :{ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  } سورة البقرة: 199،وقوله تعالى:
{ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ }سورة هود:3 .{وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} أمرهم بالاستغفار في مواطن مظنة القبول ، وأماكن الرحمة ، وهو طلب الغفران من الله باللسان مع التوبة بالقلب ، إذ الاستغفار باللسان دون التوبة بالقلب غير نافع ، وأمروا بالاستغفار ، وإن كان فيهم من لم يذنب ، كمن بلغ قبيل الإحرام ولم يقارف ذنباً وأحرم ، فيكون الاستغفار من مثل هذا لأجل أنه ربما صدر منه تقصير في أداء الواجبات والاحتراز من المحظورات ، وظاهر هذا الأمر أنه ليس طلب غفران من ذنب خاص ، بل طلب غفران الذنوب ، وقيل : إنه أمر بطلب غفران خاص ، والتقدير : واستغفروا الله مما كان من مخالفتكم في الوقوف والإفاضة ، فإنه غفور لكم ، رحيم فيما فرطتم فيه في حلكم وإحرامكم ، وفي سفركم ومقامكم. وفي الأمر بالاستغفار عقب الإفاضة ، أو معها ، دليل على أن ذلك الوقت ، وذلك المكان المفاض منه ، والمذهوب إليه من أزمان الإجابة وأماكنها ، والرحمة والمغفرة. (تفسير البحر المحيط لأبي حيان:جـ2صـ62)
2-  ومن فضائل الاستغفار أن الله عز وجل مدح أهله وأثنى عليهم فى مواضع كثيرة من كتابه العزيز ومنها:قوله تعالى: { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}. (سورة آل عمران:17 ) قوله: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} دَلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: أن يعقوب عليه السلام، لما قال لبنيه {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} إنه أخرهم إلى وقت السحر.(تفسير ابن كثير : جـ1صـ 434 ) ، وقال تعالى :{ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }(سورة الذاريات : 18) .
{ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وصفهم بأنهم يحيون جُل الليل متهجدين ، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار من رؤية أعمالهم. والسَحر : السدس الأخير من الليل ، وفي بناء الفعل على الضمير إشعار بأنهم الأحقاء بأن يُوصفوا بالاستغفار ، كأنهم المختصون به ، لاستدامتهم له ، وإطنابهم فيه (البحر المديد: جـ7صـ294) .
3- ومن فضائل الاستغفار أنه من صفات المتقين كما أخبر سبحانه وتعالى فى قوله جل وعلا: {وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)}(سورة آل عمران : الآيات : 133- 136).
قال الإمام القرطبي رحمه الله: قال علماؤنا : الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان ، لا التلفظ باللسان. فأما من قال بلسانه : أستغفر الله ، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لاحقة بالكبائر.(تفسير القرطبي جـ4صـ110)،ثم قال رحمه الله : هذا يقوله في زمانه ، فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم ! حريصا عليه لا يقلع ، والسُّبْحة في يده زاعما أنه يستغفر الله من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف. وفي التنزيل {وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً}(سورة البقرة : الآية : 231) .
4- ومن فضائل الاستغفار أن الله عز وجل يغفر لمن استغفره قال تعالى:{ وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (سورة النساء : الآية: 110).
5- ومن فضائل الاستغفار أنه يجلب الخيرات والبركات للعبد ويدفع عنه البلاء يقول الله تعالى: { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) } (سورة  نوح : الآيات : 10- 14) ".
6-ومن فضائل الاستغفار أنه من موجبات رحمته تعالى، قال جل وعلا:{ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(سورة  النمل : الآية : 46) .
7- والاستغفار من الأعمال الصالحة التى تبعد العذاب عن العبد يوم القيامة ومن ذلك قوله تعالى:{ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (سورة الأنفال:33).
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك, فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: قد, قد, ويقولون: اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك, تملكه وما ملك. ويقولون غفرانك غفرانك فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} الآية ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان فيهم أمانان النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار.(تفسير ابن كثير : جـ2صـ372).
8- ومن فضائل الاستغفار أنه من الوسائل الجالبة للخير العميم والمتاع الحسن خاصة عند اقترانه بالتوبة، يقول اللّه تبارك وتعالى: { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} (سورة هود: 4 ).
9- ومن فضائل الاستغفار أنه من سنة الأنبياء والمرسلين، وطريق ووسيلة الأولياء والصالحين، يلجؤون إليه في كل وقت وحين، في السراء والضراء، به يتضرعون وبه يتقربون ومن ذلك ما جاء على لسان الأنبياء عليهم السلام فى آيات كثيرة من القرآن منها:
نبي الله آدم عليه السلام :فكان مما قالا: { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }سورة الأعراف:الآية: 23 ، وقال نبي الله نوح عليه السلام:{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا}سورة نوح: الآية: 28 ، وقال موسى عليه السلام لما قتل رجلاً من الأقباط: { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}سورة القصص:الآية :16 ، وقال شعيب عليه السلام لقومه: {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}(سورة هود:الآية: 90 ) ، وقال سيدنا صالح لقومه بعد أن أمرهم بعبادة الله: { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} (سورة هود:الآية: 61) .
ثانياً: الاستغفار فى السنة النبوية :
وردت أحاديث كثيرة فى السنة النبوية المطهرة يبين لنا فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم فضل الاستغفار وأنه صلوات الله عليه وسلامه كان دائم التوبة والاستغفار مع أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومنها:
عن الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:« إنه ليغان على قلبى وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة » رواه مسلم .
قال الإمام النووي رحمه الله:قوله صلى الله عليه و سلم: (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) قال أهل اللغة: الغين بالغين المعجمة والغيم بمعنى والمراد هنا ما يتغشى القلب ، قال القاضي:  قيل: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذى كان شأنه الدوام عليه فإذا فتر عنه أو غفل عد ذلك ذنبا واستغفر منه ، قال: وقيل: هو همه بسبب أمته وما اطلع عليه من أحوالها بعده فيستغفر لهم ، وقيل: سببه اشتغاله بالنظر فى مصالح أمته وأمورهم ومحاربة العدو ومداراته وتأليف المؤلفة ونحو ذلك فيشتغل بذلك من عظيم مقامه فيراه ذنبا بالنسبة إلى عظيم منزلته ، وان كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال فهي نزول عن عالى درجته ورفيع مقامه من حضوره مع الله تعالى ومشاهدته ومراقبته وفراغه مما سواه فيستغفر لذلك ، وقيل:  يحتمل أن هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه لقوله تعالى:( فانزل السكينة عليهم) ويكون استغفاره إظهاراً للعبودية والإفتقار وملازمة الخشوع وشكراً لما أولاه.(شرح النووي على مسلم : جـ17 صـ23 وما بعدها) .
وعن الزهري قال: أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : « والله إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة » رواه مسلم.
وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا (أخرجه ابن ماجة فى سننه  وصححه الألباني فى صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم 3886 )
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
« والله إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة »رواه البخاري.
وعن الزبير رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أحب أن تسره صحيفته ; فليكثر فيها من الاستغفار "(رواه الطبراني وحسنه الألباني فى صحيح الجامع حديث رقم5955 ) .
وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
 " قال الله تبارك وتعالى : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ، ولا أبالي ، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة "(أخرجه الترمذي فى سننه وصححه الألباني فى صحيح سنن الترمذي حديث رقم 3540 ، وصحيح الجامع حديث رقم 4338) .
ثالثاً: من آثار السلف فى الاستغفار :
قال قتادة رحمه الله : "إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم ، فأما داؤكم : فالذنوب ، وأما دواؤكم : فالاستغفار ".
وعن الحسن البصري قال: " أكثروا من الاستغفار في بيوتكم ، وعلى موائدكم ، وفي طرقكم ، وفي أسواقكم ، وفي مجالسكم ، أينما كنتم فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة.
وعن أبي المنهال قال : " ما جاور عبد في قبره من جار خير من استغفار كثير.(إحياء علوم الدين : جـ 1صـ 313).
رابعاً : صيغ الاستغفار:
إن المتأمل فى السنة النبوية المطهرة يجد أن للاستغفار صيغاً كثيرة منها: أن يبدأ العبد بالثناء على ربه ، ثم يثني بالاعتراف بذنبه ، ثم يسأل الله المغفرة، فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي ، وأنا عبدك ، لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، أصبحت على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، وأبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء لك بذنوبي ، فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ( أخرجه أبو داود فى سننه وصححه الألبانى فى صحيح سنن أبى داود حديث رقم 1517 3577 ).
ومنها:ما ثبت في الصحيحين عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ؛ أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : علمني دعاء أدعو به في صلاتي ، قال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم) رواه البخاري ومسلم.
ومنها:ماروى عن زيد مولى النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « من قال أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فر من الزحف » (أخرجه أبو داود فى سننه وصححه الألباني فى صحيح سنن أبي داود حديث 1517) ، وفي هذا الحديث دلالة على أن الاستغفار يمحو الذنوب سواء كانت كبائر أو صغائر، فإن الفرار من الزحف من الكبائر.
لكن مما ينبغي أن يعلم هنا أن المراد بالاستغفار ما اقترن به ترك الإصرار، فهو حينئذ يعد توبة نصوحا تجب ما قبلها، أما إن قال المرء بلسانه: أستغفر الله، وهو غير مقلع عن ذنب، فهو داع لله بالمغفرة، كما يقول: اللهم اغفر لي، وهذا طلب من الله المغفرة ودعاء بها، فيكون حكمه حكم سائر الدعاء لله، ويرجى له الإجابة.
وقد ذكر أهل العلم أن القائل: أستغفر الله وأتوب إليه له حالتان:
الأولى: أن يقول ذلك وهو مصر بقلبه على الذنب، فهذا كاذب في قوله: وأتوب إليه؛ لأنه غير تائب، فإن التوبة لا تكون مع الإصرار من العبد على الذنب.
والحالة الثانية : أن يقول ذلك وهو مقلع بقلبه وعزمه ونيته عن المعصية، وجمهور أهل العلم على جواز قول التائب: أتوب إلى الله، وعلى جواز أن يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية أبدا، فإن العزم على ذلك واجب عليه، فهو مخبر بما عزم عليه في الحال، وقد تقدم أن من شروط قبول التوبة العزم من العبد على عدم العودة إلى الذنب، فإن صح منه العزم على ذلك قبلت توبته، فإن عاد إلى الذنب مرة ثانية احتاج إلى توبة أخرى ليغفر له ذنبه، ولهذا فإن العبد ما دام كذلك كلما أذنب تاب وكلما أخطأ استغفر فهو حري بالمغفرة وإن تكرر الذنب والتوبة (فقه الأدعية والأذكار : جـ2 صـ287)
كانت هذه بعض فضائل الاستغفار وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وغفر لنا ولكم ووفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وتقبل منا ومنكم صالح الأعمال إنه ولى ذلك والقادر عليه اللهم آمين .
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل                                        
                                                                                              كتبه
أبو معاذ أحمد بن عرفة
محاضر بوزارة الأوقاف
ومعيد بقسم الفقه المقارن جامعة الأزهر
وعضو الجمعية الفقهية السعودية
00201119133367

مجلة عالم الإبداع

يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها


كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده وقال: يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال لرجل من أهل حمدان: (إن النعمة موصولة بالشكر، والشكر متعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرنٍ، فلن ينقطع المزيد من الله عز وجل حتى ينقطع الشكر من العيد).
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه.
وكان الحسن البصري إذا شرب الماء قال: الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته ، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا.