السبت، 10 ديسمبر 2016

فضائل العلم وآدابه (1) د/ أحمد عرفة



فضائل العلم وآدابه
من أعز وأشرف ما صُرفت فيه الأوقات وأنفقت من أجله الأموال طلب العلم الشريف الذي شرف المولى جل وعلا أهله ورفع ذكرهم وأعلى مكانتهم، ومنها أنه جل وعلا استشهد بأهله على أجل مشهود عليه وهو توحيده سبحانه قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ اله إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[آل عمران: 18].
ونفي سبحانه التسوية بين أهله وبين غيرهم كما نفى التسوية بين أصحاب الجنة وأصحاب النار فقال سبحانه:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [الزمر:9]، ورفع جل وعلا درجات أهل العلم فقال:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11].
وأمر جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب المزيد منه فقال سبحانه: {وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً} [طه:114]. قال الإمام القرطبي رحمه الله: فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم(تفسير القرطبي 4/40).
ومن فضل العلم وعلو منزلته أن العلم حياة ونور والجهل موت وظلمة ، والشر كله عدم الحياة والنور، والخير كله سببه النور والحياة ؛ فإن النور يكشف عن حقائق الأشياء ويبين مراتبها قال تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)(الأنعام: 122) كان ميتاً بالجهل قلبه فأحياه بالعلم، وجعل له من الإيمان نوراً يمشى به في الناس (مفتاح دار السعادة صـ61).
وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلب العلم طريق إلى الجنة، وذلك فيما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة). قوله: طريقاً نكرها، ونكر علماً: ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينية، وليندرج فيه القليل والكثير، وقوله: (سهل الله له طريقاً) أي في الآخرة أو في الدنيا بأن يوفقه للأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة، وفيه بشارة بتسهيل العلم على طالبه؛ لأن طلبه من الطرق الموصلة إلى الجنة.(فتح الباري 1/160).
وبيّن أن العلم ميراث الأنبياء، وذلك فيما أخرجه الترمذي في سننه عن أبى الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثّوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، وهذا من أعظم المناقب لأهل العلم فإن الأنبياء خير خلق الله فورثتهم خير الخلق بعدهم ، ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به إلا العلماء كانوا أحق الناس بميراثهم. (مفتاح دار السعادة صـ73).
وفي الأثر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه إمام العلماء وأعلم الأمة بالحلال والحرام في بيان مكانة العلم وأهله حيث قال:" (تعلموا العلم فإن تعلُّمه لله ـ أي مخلصاً به ـ خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربةـ أثمن هدية وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والنصير في السرَّاء والضراء، والوزير عند الإخلاء, والقريـب عند القرباء، هو منـار سبيل الجنة، يرفـع الله به أقواماً يجعلهم في الخير قادة وسادة، يُقتدى بهم، يدل على الخير، وتقتفى به آثاره، يجعلك مع الملائكة والمُقَرَّبين، يسبِّح لك كل رَطْبٍ ويابس، تستغفر لك حتى الحيتان في البحر، وهوامُّ السِباع في البَر، به يطاع الله عزَّ وجل ـ وبه يُعْبَد الله عزَّ وجل، وبه يوحَّد الله عزَّ وجل، وبه يُمَجَّد الله عزَّ وجل، وبه يتورَّع الإنسان ـ يكون ورعاً ـ وبه توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال والحرام. هو إمام العمل يلهمه السُعداء ويحرم منه الأشقياء"(جامع بيان العلم وفضله صـ115).
وأخرج الدارمي في سننه عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: بلغني أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ كَانَ يَقُولُ لاِبْنِهِ: "يَا بني لاَ تَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِتُمَارِىَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ ترائي بِهِ في الْمَجَالِسِ، وَلاَ تَتْرُكِ الْعِلْمَ زُهْداً فِيهِ وَرَغْبَةً في الْجَهَالَةِ، يَا بني اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنِكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِماً يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلاً يُعَلِّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْماً لاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلاَ تَجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِماً لاَ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلاً زَادُوكَ غَيًّا، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِعَذَابٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ". وللحديث بقية إن شاء الله.
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com

نشر هذا المقال بجريدة صوت الأزهر في العدد الصادر بتاريخ 7/10/2016م.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق