الخميس، 13 أبريل 2017

حماية غير المسلمين واجب ديني ووطني د/ أحمد عرفة


حماية غير المسلمين واجب ديني ووطني

إن ما نشاهده بين الحين والآخر من تفجيرات وأعمال إجرامية من الاعتداء على غير المسلمين المقيمين داخل الدولة الإسلامية والاعتداء على كنائسهم هذا أمر لا يقره الإسلام بل عده جريمة من الجرائم التي يعاقب عليها كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أول ما يقضى فيه بين الناس بالدماء، وبيّن صلى الله عليه وسلم "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً"(رواه البخاري).

وغير المسلمين ينقسمون باعتبار ما لهم من احترام وصيانة لأنفسهم وأموالهم وما ليس لهم إلى حربيين وذميين ومستأمنين.

فالحربيون: هم غير المسلمين من النصارى واليهود والمشركين الذي يقيمون في دار الحرب وينتمون إليها، ولا يوجد بينهم وبين المسلمين عقد ذمة ولا أمان، يعادون المسلمين معاداة ظاهرة، فلا يستحقون الاحترام والصيانة لأنفسهم وأموالهم.

والذميون: هم غير المسلمين من أهل الكتاب ونحوهم الذين يقيمون إقامة دائمة في دار الإسلام، ويتمتعون بالحماية الكافية لأنفسهم وأموالهم في مقابل أدائهم لضريبة محددة تسمى الجزية، والتزامهم بأحكام الإسلام المتعلقة بالأمن والنظام في دار الإسلام كالمعاملات والعقوبات.

والمستأمنون: هم الحربيون الذين دخلوا دار الإسلام بعقد أمان مؤقت لا يزيد عن سنة، بغرض الزيارة أو التجارة أو المرور، فلهم ما للذميين من حماية وصيانة لأنفسهم وأموالهم، في مقابل التزامهم بأحكام الإسلام المتعلقة بالأمن والنظام في دار الإسلام.

وقد كفلت الشريعة الإسلامية لغير المسلمين المقيمين بالدولة الإسلامية سائر الحقوق والواجبات، ومن أعظم هذه الحقوق هي حمايتهم من العدوان الخارجي والعدوان الداخلي، وفي ذلك يقول الإمام القرافي المالكي في كتابه "الفروق" قول الإمام الظاهري ابن حزم في كتابه "مراتب الإجماع": "إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع  (اسم يجمع للخيل والسلاح) والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسولهr، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة"، والمتأمل في كلامه –رحمه الله- يدرك جيداً أن هذا الحق العظيم لغير المسلمين في حمايتهم من أي عدوان خارجي عليهم داخل الدولة الإسلامية، وفي حالة الاعتداء يجب على المسلمين حمايتهم، والتصدي لهذا العدوان بكل قوة.

وذكر الإمام الرحيباني من فقهاء الحنابلة في كتابه " مطالب أولى النهي" أنه: "يجب على الإمام حفظ أهل الذمة ومنع مَن يؤذيهم، وفك أسرهم، ودفع مَن قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب، بل كانوا بدارنا، ولو كانوا منفردين ببلد"، وعلل ذلك بأنهم: "جرت عليهم أحكام الإسلام وتأبد عقدهم، فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين".

ومن المواقف التطبيقية لهذا المبدأ الإسلامي، موقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حينما تغلب التتار على الشام، وذهب الشيخ ليكلم "قطلوشاه" في إطلاق الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً، لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة، فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له"، ومنها أيضاً ما كتبه خالد بن الوليد t في خلافة أبي بكر الصديق t في السنة الثانية عشرة للهجرة لبعض أهالي المدن المجاورة للحيرة في العراق، وكانوا من النصارى, إذ جاء فيه: «... فلك الذمَّة والمنعة؛ فإن منعناكم فلنا الجزية؛ وإلا فلا حتَّى نمنعكم».

وأما عن حمايتهم من العدوان الداخلي، فهو أمر يوجبه الإسلام ويشدد في وجوبه، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة بأذى أو عدوان، فالله تعالى لا يحب الظالمين ولا يهديهم، بل يعاجلهم بعذابه في الدنيا، أو يؤخر لهم العقاب مضاعفاً في الآخرة، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: " من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة" (أخرجه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم (3052).

وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأهل مصر خيراً، حيث قال r : «إنكم ستفتحون مصر فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذِمة ورحِماً» (رواه مسلم). قال الإمام النووي رحمه الله: "وأما الذمة فهي الحرمة والحق , وهي هنا بمعنى الذمام ، وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم".

 وقد تنبَّه الخلفــــاء المسلمون لهذه التوجيهات وأكَّدوا عليها في توصياتهم لولاتهم حرصًا على تطبيق شرع الله تعالى, فيما يخص أهل الذمَّة بديار الإسلام, فاشتدَّت عنايتهم بدفع الظلم عن أهل الذمَّة، وكفّ الأذى عنهم، والتحقيق في كل شكوى تأتي من قِبَلِهم. حيث كان الخليفـــة عمر بن الخطاب t يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهـــــل الذمَّة، خشــــية أن يكــــون أحدٌ من المسلمين قـــــد أفضى إليهم بأذى، فيقولون له: «ما نعلم إلا وفاءً», أي بمقتضى العهد والعقد الذي بينهم وبين المسلمين، وهذا يقتضي أن كلاً من الطرفين وفَّى بما عليـــه.

وأصيب عُمر t بضربة رجل من أهل الذمَّة أبي لؤلؤة المجوسي فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفةَ من بعده, وهو على فراش الموت, فيقول: «وأوصيه بذمَّة الله وذمَّة رسول الله e أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم, ولا يكلَّفوا إلا طاقتهم».

مما سبق يتبين لنا أن الإسلام قد كلف لغير المسلمين المقيمين بالدولة الإسلامية حق الحماية من العدوان الخارجي والعدوان الداخلي، وأن على المسلمين أن يقوموا بهذا الواجب الذي أمر به الإسلام، وبينه نبينا عليه الصلاة والسلام كما ينبغي من أجل حماية الوطن وحماية النفس البشرية والدماء المعصومة من أن تسفك بغير حق. والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.



د/ أحمد عرفة

باحث دكتوراه بجامعة الأزهر

عضو الجمعية الفقهية السعودية

Ahmedarafa11@yahoo.com




داعش وأفكارها في ميزان الشريعة الإسلامية د/ أحمد عرفة



داعش وأفكارها في ميزان الشريعة الإسلامية
إن ما تقوم به داعش وغيرها من الفرق والجماعات المنحرفة عن الفهم الصحيح للإسلام من أفكار التطرف والإرهاب التي تفسد في الأرض وتهلك الحرث والنسل، ليست من الإسلام في شىء، وأن المسلمين هم أول ضحاياها، وأن الإسلام برئ من هذه الأفكار المنحرفة التي أسأت فهمه على الوجه الصحيح، وهذه الأفكار تعتبر امتداداً لـفكر"الخوارج"، الذين هم أول فرقة مرقت من الدين بسبب تكفيرها المسلمين بالذنوب، وللأسف الشديد نجد كثير من شبابنا ساروا خلف هذه الأفكار وفهموا النصوص الشرعية فهماً خاطئاً، مخالفاً لفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم ، فشوهوا صورة الإسلام بصفائه ونقائه وإنسانيته، وانحرفوا بأفكارهم عن سماحته ووسطيته، يفعلون ذلك باسم الدين، وينشُرونَه على مرأى ومسمعٍ من العالمين، وكل من لا يعرف الإسلام على حقيقته يظنُّ أن ما يصدُرُ عن هؤلاء هو الإسلام، والإسلامُ منهم براء.
وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأفكار المنحرفة في أحاديث كثيرة منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون، أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ". قال الخطابي رحمه الله: (الضئضئي) الأصل يريد أنه يخرج من نسله الذين هو أصلهم أو يخرج من أصحابه وأتباعه الذين يقتدون به ويبنون رأيهم ومذهبهم على أصل قوله، وقوله صلى الله عليه وسلم:" لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد":أي قتلاً عاماً مستأصلاً، وقال صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج قوم يقرءون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية"(رواه أحمد)، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم كيفية معاملة أصحاب هذه الأفكار المنحرفة، وذلك فيما أخرجه أبو داود في سننه بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« سيكونُ في أُمَّتي اختلافٌ وفُرْقَةٌ ، قومٌ يُحْسِنونَ القِيلَ ، ويُسِيئونَ الفِعْلَ ، يقْرؤونَ القرآنَ لا يُجاوِزُ تراقِيَهم ، يَمْرُقونَ مِنَ الدِّينِ مُروقَ السَّهمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، لَا يَرْجِعونَ حتى يَرْتَدَّ علَى فُوقِهِ ، هم شِرَارُ الخلْقِ والخلِيقَةِ ، طُوبَى لِمَنْ قتَلَهم وقتَلوهُ ، يُدْعَوْنَ إلى كتابِ اللهِ وليسوا منه فِي شيءٍ ، مَنْ قاتَلَهم كان أَوْلَى باللهِ منهم ».
 فهذه الصفات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث وغيرها ينطبق الكثير منها على ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وغيره من الأفكار المنحرفة. 
وما تقوم به هذه الجماعات المنحرفة من القتل والعمليات الإجرامية لا يقره الإسلام، والإسلام بريء منه فقد حرم ربنا جل وعلا قتل النفس إلا بالحق وبيّن عقوبة من يفعل ذلك بقوله سبحانه:( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)(سورة النساء:93)، وقال صلى الله عليه وسلم: " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ، ما لم يصب دماً حراماً"(رواه البخاري)، ولا يقتصر الأمر على هذا بل حرمت الشريعة الإسلامية أيضاً التعرض لغير المسلم الذمي أو المعاهد والمستأمن بشتى أنواع الاعتداءات ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما" (رواه البخاري).
وفي النهاية يجب على علماء الأمة أن يبينوا للناس خطر هذه الأفكار على الإسلام والمسلمين، وأن الإسلام هو دين الوسطية والاعتدال، ولا يعترف بهذه الأفكار الضالة والاتجاهات المنحرفة عن الفهم الصحيح للإسلام، وعليهم توضيح صورة الإسلام الوسطي للعالم كما قال ربنا جل وعلا:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(سورة البقرة:143)، وترجم البخاري في صحيحه، أحب الدين إلى اللَّه الحنيفية السمحة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قيل لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم:أي الأديان أحب إلى اللَّه ؟ قال : الحنيفية السمحة.
 فما أحوج المسلمين الآن لنشر قيم التسامح التي دعا الإسلام، والتسلح بالعلم الشرعي والفهم الصحيح للتصدي لهذه الأفكار المنحرفة وتوضيح صورة الإسلام الوسطي للعالم كما قام بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة.
والله ولي التوفيق.
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
عضو الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي
Ahmedarafa11@yahoo.com

التحذير من فتنة التكفير د/ أحمد عرفة


التحذير من فتنة التكفير

إن ما نشاهده كل يوم من قتل وتفجير وإفساد في الأرض من بعض الجماعات المنحرفة والفرق الضالة التي تدعي تطبيق الإسلام زوراً وبهتاناً من أهم أسبابه هو التكفير من هذه الفئة الضالة لأهل المعاصي وأصحاب الكبائر واستحلال الدماء، والمتأمل في شرعنا الحنيف يجد أن الإسلام هو دين الوسطية والاعتدال، وقد حرم الإسلام الاعتداء على المسلم بشتى أنواع الاعتداءات، ومنها تحريم التكفير والنهي عنه، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي الله عليه وسلم : " أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال ، وإلا رجعت عليه "، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إذا قال الرجل لأخيه يا كافر ، فقد باء به أحدهما "، وبيّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن لعن المسلم والحكم عليه بالكفر كقتله، وذلك في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال ، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ، ومن لعن مؤمنا فهو كقتله ، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله ".

ففي هذه الأحاديث وغيرها نهي من النبي صلى الله عليه وسلم وزجر للمسلم على أن يُكفر أو يقول لأخيه المسلم يا كافر، ويخشي عليه أن يؤدي به هذا الفعل إلى الكفر كما قيل: المعاصي بريد الكفر، فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة.

وقد نص العلماء على أن الكفر حكم شرعي لما يترتب عليه من أحكام، يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "الكفر حكم شرعي كالرق والحرية، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار"، ونص العلماء على أن التكفير، حكم شرعي أيضاً، وعليه لا يكون الحكم على فكرة أو حادثة أو شخص بالكفر إلا من أهل العلم الموثوقين والمعتبرين، الذين يفهمون الشرع حق فهمه وتلقوا علمهم من أهله، وهؤلاء يعرفون بالاستفاضة، ويحرم التكفير العيني على كل من لم يبلغ هذه المرتبة، وهذا هو الذي عليه علماء الأمة من أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً، ومع هذا فقد زل هنا أناس فذهب البعض منهم إلى القول بتكفير مرتكبي المعاصي كفراً يخرجهم من الملة، دون التفريق بين نوعي الكفر، ودون الرجوع إلى النصوص الأخرى التي تبين عدم كفرهم، وغير ذلك.

وعندما ننظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هل نجد أنه كفَّر أحداً ممن ادعى الإسلام؟!! لا. المنافقون مثلاً قال الله سبحانه وتعالى: { وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ }[التوبة:101] فهو سبحانه يعلمهم، ومع ذلك لم يعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعاملهم معاملة المسلمين.

وفتنة التكفير هي الفتنة العظيمة التي مزقت جسد الأمة الإسلامية وهي أول البدع والفتن ظهوراً في الإسلام، فهي المنبع لكثير من الانحرافات العقائدية و السلوكية والخلقية و النفسية التي عانت منها الأمة المسلمة على مدى أربعة عشر قرنآ، وما زالت الأمة تعاني منها إلى الآن وهم (الخوارج) هذه الفئة التي خرجت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فظاهرة التكفير هي أصل الخوارج ومن تبعهم من الفرق الضالة والجماعات المعاصرة المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة.

والخوارج يكفرون أصحاب الكبائر، ويستحلون دماءَهم، وأموالهم، ويخلدونهم في النار، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب – وإن كانت متواترة – ويكفرون من خالفهم، ويستحلون منه – لارتداده عندهم – ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقّاً واجباً، وقد بيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم صفاتهم وأوضحها للناس، ومن ذلك أن رجلاً منهم قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم – وهو يقسم غنيمةً بالجعرانه -: يا محمد اعدل. قال: "ويلك ومن يعدلُ إذا لم أكن أعدل، لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل“ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله، فأقتل هذا المنافق؛ فقال صلّى الله عليه وسلّم: ”معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية" (رواه البخاري ومسلم)، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "يخرج فيكم قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"(رواه البخاري ومسلم)، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة"(رواه البخاري ومسلم).

وخلاصة الأمر: أن التسرع في التكفير له خطره العظيم؛ لقوله عز وجل:{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [ الأعراف : 33 ]، ولما في التكفير وهذا الاعتقاد الخاطئ من استباحة الدماء وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال الخاصّة والعامة، وتفجير المساكن والمركبات، وتخريب المنشآت، فهذه الأعمال وأمثالها محرَّمة شرعًا بإجماع المسلمين؛ لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة، وهتك لحرمة الأموال، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار، وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغُدوِّهم ورواحهم، وهتك للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها، وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم، وحرَّم انتهاكها، وشدّد في ذلك، وكان من آخر ما بلَّغ به النبيُّ صلى الله وعليه وسلم أمَّته فقال في خطبة حجة الوداع:(إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا). ثم قال صلى الله وعليه وسلم :(ألا هل بلَّغت ؟ ، اللهم فاشهد).(رواه مسلم).

هدانا الله وإياكم للحق وإلى الطريق المستقيم وغفر لنا ولكم ووفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه اللهم آمين .

والحمد لله رب العالمين

د/ أحمد عرفة

باحث دكتوراه بجامعة الأزهر

عضو الجمعية الفقهية السعودية

عضو الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي

Ahmedarafa11@yahoo.com


السبت، 8 أبريل 2017

حلقة عن زكاة العقار للدكتور/ أحمد عرفة

زكاة العقارات للدكتور/ أحمد عرفة على الفيس بوك 7/ 4/ 2017م 

https://www.youtube.com/watch?v=w06VFJRSeGw 

فضائل شهر رجب للدكتور/ أحمد عرفة


فضائل شهر رجب

اقتضت حكمة الله تعالى تفضيل بعض الناس على بعض، وبعض الأيام على بعض، وبعض الشهور على بعض، ومنها شهر رجب، ومن فضائله أنه من الأشهر الحرم التي قال الله تعالى فيها: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} (التوبة: 36) فأخبر سبحانه أنه منذ خلق السماوات والأرض وخلق الليل والنهار يدوران في الفلك وخلق ما في السماء من الشمس والقمر والنجوم وجعل الشمس والقمر يسبحان في الفلك و ينشأ منهما ظلمة الليل وبياض النهار فمن حينئذ جعل السنة اثني عشر شهراً بحسب الهلال فالسنة في الشرع مقدرة بسير القمر وطلوعه لا بسير الشمس وانتقالها كما يفعله أهل الكتاب و جعل الله تعالى من هذه الأشهر أربعة أشهر حرما، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع فقال في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان"(لطائف المعارف، ص163).

فهذه أعظم فضيلة لهذا الشهر، أنه من الأشهر التي حُرم فيها القتال، وكفى بها فضيلة كما أخبر ربنا جل وعلا، وبيّن ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، وأما ما اعتاده كثير من الناس من الصيام في رجب وكثرة الصيام وقيام الليل، وغير ذلك من الأعمال التي ربما هي في أصلها مشروعة، ولكن تخصيص هذا الشهر بها ربما يدخل ذلك في البدع؛ لأنه ليس هناك دليل صحيح على تخصيص أيام رجب بالصيام أو ببعض الصلوات كصلاة الرغائب أو تخصيص بعض الليالي بالقيام، وذلك لأنه لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة، وإنما الوارد في تخصيصه بالصيام وغيره هي أحاديث كثيرة موضوعة وضعيفة ومنكرة لا يحتج بها في القيام بهذه العبادات وتخصيص هذا الشهر بها، وفي ذلك يقول الإمام ابن رجب –رحمه الله-: " فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن أصحابه" (لطائف المعارف، صـ171)

وقد ألف الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني –رحمه الله- رسالة قيمة اسماها "تبيين العجب بما ورد في فضل رجب"، ومما جاء في مقدمتها: "لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه، - معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه - حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه عن غيره، ولكن اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل وإن كان فيها ضعف، ما لم تكن موضوعة. وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل كون ذلك الحديث ضعيفا، وأن لا يشهر بذلك، لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف، فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة. وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره. وليحذر المرء من دخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين". فكيف بمن عمل به، ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام، أو في الفضائل، إذ الكل شرع.

ثم قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله-: "وأما الأحاديث الواردة في فضل رجب، أو فضل صيامه، أو صيام شيء منه صريحة، فهي على قسمين: ضعيفة، وموضوعة. ونحن نسوق الضعيفة ونشير إلى الموضوعة إشارة مفهمة. ثم بيّن هذه الأحاديث الموضوعة والضعيفة وأقوال العلماء فيها في هذه الرسالة القيمة فليرجع إليها القارئ الكريم لما فيها من الدرر والفوائد التي ربما لا توجد في غيرها.

وقد ورد أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن الطعام حتى يضعوها فيه، ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه. وروى نحو ذلك، عن أبى بكرة.

وفي توجيه هذا الأثر يقول الإمام ابن حجر –رحمه الله-: "فهذا النهى منصرف إلى من يصومه معظما لأمر الجاهلية. أما إن صامه لقصد الصوم في الجملة، من غير أن يجعله حتما، أو يخص منه أياما معينه يواظب على صومها، أو ليال معينة يواظب على قيامها، بحيث يظن أنها سنة. فهذا من فعله من السلامة مما استثنى، فلا بأس به. فإن خص ذلك، أو جعله حتما فهذا محظور. وهو في المنع بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام"(رواه مسلم)، وإن صامه معتقدا أن صيامه، أو صيام شيء منه أفضل من صيام غيره، فقي هذا نظر. ويقوم جانب المنع ما في الصحيح، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحرى صوم يوم يفضله على غيره إلا هذا اليوم: يوم عاشوراء. وهذا الشهر يعنى رمضان.

د/ أحمد عرفة

باحث دكتوراه بجامعة الأزهر

عضو الجمعية الفقهية السعودية

Ahmedarafa11@yahoo.com

ارجع فصل فإنك لم تصل للدكتور/ أحمد عرفة



ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ
بينما رجل يصلي إذ رآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: " ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فرجع الرجلُ فَعَادَ صلاتَهُ مرةً أخرى، ولمَّا انتهى قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم " ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" فَعَلَ ذلك مرتين أو ثلاثاً، فَلَمَّا كان في الثانية أو الثالثة قال له: يا رسولَ الله قد أَجْهَدْتُ نفسي فَعَلِّمْنِي؟ .
وقد اسْتَدَلَّ بهذا الحديثِ جَمَاعَةٌ مِن الفُقَهاءِ، فقالوا: الطُّمَأْنينَةُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ فَرْضٌ، لا تُجْزِئُ صلاة مَنْ لَمْ يَرْفَع رَأْسَهُ، وَيَعْتَدِلُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ ثُمَّ يُقِيْمُ صُلْبَهُ، وقالوا: ألا ترى أنَّ الرسولَ قال له: (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، ثم علَّمَه الصلاةَ وأَمَرَهُ بالطُّمَأنينة في الركوع والسجود.
والمُتَأمِّلُ في صَلاةِ كثيرٍ من الناسِ اليومَ يَجِدُ أنَّ حَالَهُمْ كَحَالِ هذا الرَّجُلِ الذي رَدَّهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ من مرةٍ بقوله: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، فكيفَ لو رَآكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم  اليومَ يا مَنْ تَسْرِقُ في صلاتِكَ، ولا تُتِمُّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا، يا مَنْ صَارتْ الصَّلاةُ عِنْدَكَ اليومَ عبارةً عن حَرَكَاتٍ وتَمَارينَ رِيَاضيَّةٍ، فَأَصبحتْ لا تُؤْتِي ثِمَارَهَا المَرْجُوَّةَ مِنها التي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَتْ، في كَوْنِها تَنْهَى عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ والبَغْي، وَكَوْنِهَا النُّورَ الذي أَخْبَرَ عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الصلاةُ نُورٌ) فالْكَثيرُ مِنَّا قد افْتَقَدَ هذا النُّورَ، لأنَّه أصْبَحَ يُصلِّي وكَأَنَّهُ لا يُصَلِّي.  
وعن حَال النَّاسِ ومراتبهم في الصلاة يقولُ الإمامُ ابنُ القيّم -رحمه الله-: "والناسُ في الصلاة على مَرَاتِبَ خَمْسَةٍ: إحداها: مَرتبةُ الظالمِ لنفسه المُفْرط، وهو الذي انتقصَ من وُضُوئِهَا ومَواقيتِهَا وَحُدُودِهَا وَأَرْكَانِهَا. الثاني: مَنْ يُحافِظُ على مَواقيتِهَا وحُدودِهَا وأَرْكَانِهَا الظَّاهرةِ ووُضُوئِها لكنْ قد ضَيَّعَ مُجاهدةَ نفسه بالوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار. الثالثُ: مَنْ حَافظَ على حدودِهَا وأركانِهَا وجَاهَدَ نَفْسَهُ في دَفْعِ الوَسَاوِسِ والأَفْكَارِ، فهو مَشْغُولٌ في مُجَاهَدَةِ عَدُوِّهِ لئلا يَسْرِقَ مِن صلاتِهِ فهو في صلاةً وجِهَادٍ. الرابعُ: مَن إذا قَامَ إلى الصلاة أَكْمَلَ حُقُوقَهَا وأَرْكَانَهَا وحُدُودَهَا، واسْتَغْرَقَ قلبه مراعاة حُدودِهَا لئلا يَضيعَ منها شيءٌ بل همُّه كُلُّهُ مصروفٌ إلى إقامتِهَا كما ينبغي. الخامسُ: مَنْ إذا قام إلى الصلاة قامَ إليها كذلك ولكنْ مع هذا قد أَخَذَ قَلْبَهُ وَوَضَعَهُ بينَ يَدَي رَبِّهِ -سبحانه وتعالى- ناظرًا بقلبه إليه مراقبًا له ممتلئًا من محبته وتعظيمه كأنَّه يَراه ويُشَاهِدُهُ فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض.
فالقسمُ الأولُ: مُعَاقَبٌ، والثاني: مُحَاسَبٌ، والثالث: مُكَفَّرٌ عنه. والرابع: مُثَابٌ. والخامس: مُقَرَّبٌ من ربه؛ لأنَّ له نصبيًا مِمَّنْ جُعِلَتْ قُرَّةُ عَينِهِ في الصلاةِ، فاسْتَرَاحَ بها كما كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أّرِحْنَا يا بِلالُ بالصَّلاةِ»، ويقول: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلَّاةِ»، ومن قرَّت عينه بالله قرَّت به كل عين، ومَنْ لَمْ تُقَرُّ عينُهُ بالله تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ على الدنيا حَسراتٍ. وإنما يقوى العبدُ على حضوره في الصلاة واشتغاله فيها بربه إذا قَهَرَ شَهوتَهُ وهَوَاه، وإلا فَقلبٌ قد قَهَرتْهُ الشَّهوةُ وأَسَرَه الهَوَى وَوَجَدَ الشَّيْطانُ فيه مقعدًا تمكن فيه كيف يخلص من الوساوس والأفكار"(الوابل الصيب من الكلم الطيب، صـ38 ط/ دار الكتاب العربي، بيروت).
وقد بيّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً الذي يَسْرِقُ من صلاته، وذلك فيما أخرجه الدارمي في سننه عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أسوأُ الناسِ سَرِقَةً الذي يَسْرقُ صلاتِهِ " قالوا: يا رسول الله ، وكيف يسرقُ صَلاتَه ؟ قال: " لا يُتِّمُ رُكُوعَهَا ولا سُجُودَها"، وأيضًا: " نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن نَقْرَةِ الغُرابِ، وافْتِرَاشِ السَّبْعِ، وأنْ يُوَطِّنَ الرجُلُ المكانَ في المسجد كما يُوطِّنُ البَعيرَ"(أخرجه أبو داود)، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفاتِ في الصلاة، ولما سُئل عن ذلك؟ قال:"هو اختلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشيطانُ من صلاة العبد"(أخرجه البخاري)، والالتفاتُ المَنْهِيُّ عنه في الصلاة قسمان: أحدهما: التفاتُ القلبِ عن الله عز و جل إلى غير الله تعالى،  والثاني: التفاتُ البصرِ وكلاهُمَا منهيٌّ عنه، ولا يَزالُ اللهُ مقبلاً على عبده ما دام العبدُ مُقبلاً على صلاته فإذا التفتْ بقلبه أو بصره أَعْرَضَ الله تعالى عنه. (الوابل الصيب، صـ34).
من أجل ذلك أَمَرَنَا صلى الله عليه وسلم بالسُّكُونِ في الصلاةِ في أحاديثَ كثيرةٍ، منها ما أخرجه مسلمٌ في صحيحه عن جابر بن سمرة، قال: خَرَجَ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس ؟ اسكنوا في الصلاة " قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقاً فقال: " مالي أراكم عزين" (أي متفرقين) قال: ثم خرج علينا فقال: " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ " فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال:" يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف".
وليعلمَ المُصليُّ الذي رُبَّمَا يُصلي ولكنَّهُ لا يتمُّ الصلاةَ بركوعِهَا وسُجُودِهَا، ولا يدري هل اطمئن في صلاتِه أم لا؟ أَنَّه إذا ماتَ على حاله هذه فهو على خطرٍ عظيمٍ حَذَّرَ منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما رأى الرَّجُلَ يُصلي ويَنْقُرُ في صلاتِهِ ولا يُتِمُّهَا، قال: لو ماتَ لمات على خير ملةِ محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك فيما أخرجه الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن أبي عبد الله الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً لا يتم ركوعه ينقر في سجوده وهو يصلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم "، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" مثل الذي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده، مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتان لا يغنيان عنه شيئا".

وهذا يدعونا إلى أنْ نتأَمَّلَ في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة حيثُ كانت الصلاةُ قُرَّةَ عينهِ، وكان إذا أَحْزَنَهُ أمرُهُ أو أَحْزَنَهُ شيءٌ فزعَ إلى الصلاة، وكان يقولُ: "أرحنا بها يا بلال"، فالصلاةُ سرٌ بين العبدِ وربِّهِ، وقَسَّمَهَا اللهُ –تعالى- بينَهُ وبينَ عَبْدِهِ نِصْفَينِ كما أَخْبَرَ بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وذلك لِمَا لَهَا مِن منزلةٍ رفيعةٍ ومكانةٍ عظيمةٍ في دِيْنِنَا الإسلاميِّ الحنيفِ. من أجل ذلك كانت أَوَّلَ ما يُحَاسَبُ عليهِ العَبْدُ يومَ القيامة فإنْ صَلَحَتْ صَلَحَ سائرُ عمله، وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائرُ عمله، وكانت آخر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم.
فما أحوجنا اليوم إلى أنْ نُعيدَ النَّظَرَ في صلاتنا بِتَعَلُّمِ فقه الصلاة وأحكامها من طهارة ووضوء، وكيفية الصلاة بأركانها وسننها كما كان يصلي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمرنا بذلك فقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" حتى تَكونَ الصلاةُ قرةَ أعيننا ونحققَ بها السعادة والطمأنينةَ والراحةَ في الدنيا، وفي الآخرة بالفوز برحمة الله تعالى وعفوه وغفرانه. واللهُ من وراء القصدِ وهو حَسْبُنا ونعم الوكيلُ.
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية


نشر هذا المقال بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 28/3/ 2017م

الخميس، 9 مارس 2017

سؤال في صحة أحاديث في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟


وصلني سؤال يقول:
انتشر على جروبات الواتس مقطع في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم به بعض الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، الأول: (من صلى علي في اليوم مائة مرة قضى الله له مائة حاجة ، سبعين منها في الآخرة وثلاثين منها في الدنيا)، والثاني: (من صلى عليَّ ألفَ صلاة لم يمت حتى يبشر بالجنة)، والثالث: (من صلى عليَّ حين يصبح عشرا، وحين يمسي عشرا، أدركته شفاعتي يوم القيامة)، (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام). فما مدى صحة هذه الأحاديث؟
الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد:
فإن للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فضل عظيم بيّنه ربنا جل وعلا بقوله: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"(الأحزاب: 56)، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا " وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تبين لنا فضل الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما عن هذه الأحاديث المنتشرة ومدى صحتها فالحديث الأول (من صلى علي في اليوم مائة مرة قضى الله له مائة حاجة ، سبعين منها في الآخرة وثلاثين منها في الدنيا) أخرجه ابن النجار عن جابر، والحديث الثاني(من صلى عليَّ ألفَ صلاة لم يمت حتى يبشر بالجنة) أخرجه أبو الشيخ عن أنس، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة(5110): ضعيف جداً، والحديث الثالث (من صلى عليَّ حين يصبح عشرا، وحين يمسي عشرا، أدركته شفاعتي يوم القيامة) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب حديث رقم (396)، والسلسلة الضعيفة حديث رقم (5788).
والحديث الرابع (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام) أخرجه أبو داود في سننه، وأحمد في مسنده، وحسنه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (5679)، والسلسلة الصحيحة حديث رقم (2266)، وصحيح سنن أبي داود حديث رقم (1779).
وليعلم السائل الكريم أن في الأحاديث الصحيحة الواردة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي غيرها، الغنية والكفاية عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة المنتشرة في المنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب عليه ونشره فقال: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(رواه البخاري)، وقد ذكرنا في البداية ما يدل على فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الآية الكريمة والحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه. والله أعلم. 


وصلني سؤال يقول: ما هي المواطن التي يستحب فيها الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟


  • وصلني سؤال يقول:
    ما هي المواطن التي يستحب فيها الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟
    الجواب:
    هناك مواطن كثيرة يستحب فيها الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم منها: في يوم الجمعة، وذلك لما أخرجه أبو داود في سننه بسند صحيح عن أوس بن أوس، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم ، وفيه قبض، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة ، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي " قال: قالوا: يا رسول الله ، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - يقولون: بليت - ؟ فقال: " إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء".
    ومنها: عند الآذان، وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه  عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا سمعتم المؤذن ، فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ".
    ومنها: عند الدعاء، وذلك لما أخرجه الطبراني بسند حسن  عن علي رضي الله عنه قال: " كل دعاء محجوب حتى يصلي على محمد وآل محمد صلى الله عليه وسلم "،  فضالة بن عبيد:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعو في صلاته، ولم يحمد الله، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم", فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: "عجل هذا "ثم دعاه, فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه ثم يصلي على محمد و آل محمد ثم يدعو شاء".
    ومنها: عند دخول المسجد والخروج منه، وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ".
    ومنها: عند ذكره صلى الله عليه وسلم، وذلك لما أخرجه النسائي في سننه عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ".
    ومنها: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الخطب كخطبة الجمعة والعيدين وغيرهما، وهذا ثابت بفعله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وصحابته رضي الله عنهم والأئمة والخطباء من بعدهم.
    ومنها: عند الهم والشدة وطلب المغفرة، وذلك لما أخرجه الترمذي في سننه بسند صحيح عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: " يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه"، قال أبي : قلت : يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي ؟ فقال: " ما شئت". قال: قلت: الربع، قال: "ما شئت فإن زدت فهو خير لك "، قلت: النصف ، قال: "ما شئت ، فإن زدت فهو خير لك"، قال: قلت: فالثلثين، قال:" ما شئت، فإن زدت فهو خير لك "، قلت: أجعل لك صلاتي كلها قال: "إذا تكفى همك، ويغفر لك ذنبك ".
    ومنها: في المجالس وقبل التفرق، وذلك لما أخرجه الترمذي في سننه بسند صحيح  عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم".
    ومنها: في كل وقت، وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة". والله أعلم.

وصلني سؤال يقول: ما هو فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟


  1. وصلني سؤال يقول:
    ما هو فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟
    الجواب:
    للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فضائل كثيرة منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب: 56)، عن أبي العالية: صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة.
    وجاءت في السنة النبوية المطهرة أحاديث كثيرة تدل على فضل الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا"، وأخرج الترمذي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة"
     وفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تفريج للهموم والكروب، عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني آت من ربي فقال ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرا) فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أجعل نصف دعائي لك إن شئت قال ألا أجعل ثلثي دعائي لك قال: إن شئت قال: ألا أجعل دعائي لك كله قال: ( إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة). قال ابن علان –رحمه الله-: "ووجه كفاية المهمات بصرف ذلك الزمن إلى الصلاة عليه : أنها مشتملة على امتثال أمر اللّه تعالى، وعلى ذكره وتعظيمه ، وتعظيم رسوله ، ففي الحقيقة لم يفت بذلك الصرف شيء على المصلي ، بل حصل له بتعرضه بذلك الثناء الأعظم أفضل مما كان يدعو به لنفسه، وحصل له مع ذلك صلاة اللّه وملائكته عليه عشراً، مع ما انضم لذلك من الثواب الذي لا يوازيه ثواب ، فأيّ فوائد أعظم من هذه الفوائد ؟ ومتى يظفر المتعبد بمثلها ، فضلا عن أنفَسَ منها ؟ وأنى يوازي دعاؤه لنفسه واحدة من تلك الفضائل التي ليس لها مماثل ببركته.( دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين 5/18).
    وبالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تغفر الذنوب، فعن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في ثلثي الليل فيقول: جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه وقال أبي يا رسول الله إني أصلي من الليل أفأجعل لك ثلث صلاتي ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشطر) قال أفأجعل لك شطر صلاتي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الثلثان أكثر) قال أفأجعل لك صلاتي كلها قال: ( إذن يغفر لك ذنبك كله) (أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح).، وقوله: (يغفر لك ذنبك) لأنه يبارك على نفسك بواسطته الكريمة في وصول كل خير إليك إذ قمت بأفضل أنواع الشكر المتضمن لزيادة الإفضال والإنعام المستلزمين لرضا الحق عنك ومن رضي عنه لا يعذبه.( دليل الفالحين 5/18).
    وأخبر صلى الله عليه وسلم أن صلاتنا عليه تبلغه في قبره، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام)، وبيّن لنا أن البخيل من ذكر عنده فلم يصل عليه، وذلك فيما أخرجه الترمذي بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي).
    مما سبق يتبين لنا أن في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الرفعة في الدرجات وتكفير للسيئات، وزيادة في الحسنات، وتفريج للهموم، والشفاعة في الآخرة، وغير ذلك من الفضائل العظيمة التي ينالها من عطر لسانه بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.


حكم أكل لحم الكلاب؟ د/ أحمد عرفة

مشاركتي اليوم في تحقيق لصحيفة الدستور رداً على فتوى الشيخ/ خالد الجندي التي أباح فيها أكل لحوم الكلاب.
حكم أكل لحوم الكلاب؟
انتشرت في الآونة الأخيرة فتاوى كثيرة لبعض المنتسبين إلى الفتوى بجواز أكل لحم الكلاب قائلين بأن هذا ليس برأيهم وإنما هو قول المالكية.
وإليكم الجواب والتفصيل في هذا الأمر والله الموفق:
اختلف الفقهاء في حكم نجاسة الكلب فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الكلب نجس، وذهب المالكية إلى طهارة سؤره وبدنه، والراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من نجاسة الكلب. قال الإمام النووي رحمه الله: "مذهبنا أن الكلاب كلها نجسة المعلم وغيره الصغير والكبير، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات" رواه مسلم، وعن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" رواه مسلم. والدلالة من الحديث الأول ظاهرة؛ لأنه لو لم يكن نجساً لما أمر بإراقته؛ لأنه يكون حينئذ إتلاف مال، وقد نهينا عن إضاعة المال، والدلالة من الحديث الثاني ظاهرة أيضاً فإن الطهارة تكون من حدث أو نجس وقد تعذر الحمل هنا على طهارة الحدث فتعينت طهارة النجس. والله أعلم. (المجموع 2/523).
وأما عن حكم أكل لحوم الكلب فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو قول المالكية –صححه ابن عبد البر- إلى تحريم أكل لحم الكلب، وذلك لما أخرجه البخاري في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع , وعن كل ذي مخلب من الطير"، وما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل ذي ناب من السباع فأكله حرام"، والكلب سبع ذو ناب فيحرم أكله، وكذلك من الأدلة على تحريم أكل لحم الكلب حرمة بيعه، وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، وما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثمن الكلب خبيث"، وذلك نص في التحريم، لقوله تعالى: "وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ"(الأعراف:157).
وأما من يحتج بقول بعض المالكية في جواز أكل لحوم الكلاب فنقول له: إن المتعمد في مذهب المالكية هو القول بحرمة أكل لحوم الكلاب، وذهب بعضهم إلى القول بالكراهة. قال ابن حبيب المالكي –رحمه الله-: لم يختلف المدنيون في تحريم لحوم السباع العادية الأسد والنمر والذئب والكلب فأما غير العادية كالذئب والثعلب والضبع والهر الوحشي والأنسي فمكروهة دون تحريم قاله مالك وابن الماجشون ونحو هذا في كتاب ابن المواز اللخمي في حرمة كل ذي ناب كالكلب والذئب وكراهتهما قولان، وقال أبو عمر: إدخال مالك حديث أبي هريرة وأبي ثعلبة يدل أن مذهبه في النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع نهي تحريم وأصل النهي أن تنظر إلى ما ورد منه فما كان منه واردا على ما في ملكك فهي نهي أدب وإرشاد كالأكل من رأس الصحفة والاستنجاء باليمين والأكل بالشمال وما طرأ على غير ملكك فهو على التحريم كالشغار وعن قليل ما أسكر كثيره واستباحة الحيوان من هذا القسم، ولا حجة لمن تعلق بقوله تعالى { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً}؛ لأن سورة الأنعام مكية، وقد نزل بعدها نهي أشياء محرمات وبإجماع أن النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان من المدينة وانظر قول خليل سبع إن كان عنى به الأسد فعلى ما قال الباجي إنه ظاهر المدونة يكون مكروها ومقتضى ما لابن حبيب وابن المواز وغيرهما أنه حرام.[التاج والإكليل (3/ 235)].
وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير(2/117): "الَّذِي حَصَّلَهُ الحطاب فِي الْكَلْبِ قَوْلَانِ: الْحُرْمَةُ, وَالْكَرَاهَةُ, وَصَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّحْرِيمَ، قَالَ الحطاب: وَلَمْ أَرَ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ نَقَلَ إبَاحَةَ أَكْلِ الْكِلَابِ".
وجاء في التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (ص: 271) فصل: يما يحرم أكله من الحيوان: "ولا تؤكل الكلاب والخنزير محرم أكل لحمه وشحمه، ولا بأس بالانتفاع بشعره في الخرز وغيره ولا يؤكل شيء من سباع الوحش مثل الأسد، والذئب،والفهد، والنمر، والضبع ولا تؤكل الحُمر الأهلية، ولا البغال".
مما سبق يتبين لنا أن مذهب جمهور الفقهاء هو نجاسة الكلب، وعليه فلا يجوز أكل لحوم الكلاب، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة أكل لحم الكلب، ومن احتج بقول المالكية على جواز أكل لحوم الكلاب نقول له إن فقهاء المالكية اختلفوا بين القول بالحرمة والكراهة، وما صححه الإمام ابن عبد البر وغيره من المالكية هو القول بحرمة أكل لحم الكلب، وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، والكلب من السباع ذو ناب فيحرم أكله، وكذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمنه، وأن ثمنه خبيث، وأن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، وعليه فالراجح من أقوال أهل العلم هو نجاسة الكلب، وحرمة أكل لحمه. والله أعلم. 

حوار نشر بجريدة الدستور 
http://www.dostor.org/1323391