الجمعة، 30 سبتمبر 2016

كتاب قرأناه لك مدارس مصر الفقهية في القرن الثالث عشر الهجري للأستاذ الدكتور/ محمد نبيل غنايم . إعداد/ د/ أحمد عرفة



كتاب قرأناه لك
مدارس مصر الفقهية في القرن الثالث عشر الهجري
للأستاذ الدكتور/ محمد نبيل غنايم
أصل هذا الكتاب رسالة علمية نال بها المؤلف درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة سنة 1977م، وقد نالت مرتبة الشرف الأولى. طبع بدار الهداية بالقاهرة، الطبعة الثانية سنة 1432هـ-2011م، ويقع هذا الكتاب في 480 صفحة.
قسم المؤلف الكتاب إلى ثلاثة أبواب وخاتمة كما يلي:
في الباب الأول تحدث عن "مصر"  البيئة التي نشأت فيها هذه المدارس وهؤلاء الأئمة , وعن أحوالها السياسية والاجتماعية والعلمية, وقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، في الفصل الأول تحدث عن أحوال مصر السياسية  قبل ابن طولون وبعده,  والحياة الاجتماعية, وطبقات  الناس في هذا القرن, وما كانوا فيه من تفرق , ثم ما تحقق بينهم من وحدة اجتماعية كاملة، وعن الأحوال الاقتصادية وما وصلت إليه من انهيار قبل ابن طولون, نتيجة ظلم الولاة واشتغالهم باستنزاف أموال الناس, ثم ما تحقق في ظل ابن طولون , من ازدهار وانتعاش اقتصادي كبير في التجارة والزراعة والصناعة  وانتشار الرخاء في جميع السلع .
ثم ختم الفصل بالحديث عن الناحية العلمية , وبيّن أن مصر كانت بها نهضة شاملة في جميع العلوم , وإن كانت العلوم الدينية تحظي بالنصيب الأكبر.
وفي الفصل الثاني : تحدث عن المدارس والتعليم , كيف بدأ, وكيف تطور من حلقات المساجد والكتاتيب إلي أن وصل إلي المدارس الحديثة في منتصف القرن الخامس الهجري .
وخصص الفصل الثالث من هذا الباب للحديث عن المدارس الفقهية بصفة عامة قبل القرن الثالث , وتحدث عن نشأة الفقه ومدارسه , وتطور هذه المدارس, حتى انتهت إلي مدرستين لكل منهما خصائصها وأسلوبها في الاجتهاد هما: مدرسة الرأي , ومدرسة الحديث.
وفي الباب الثاني  تناول المؤلف مدارس مصر الفقهية في القرن الثالث الهجري، وقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول: في الفصل الأول: تحدث عن المدرسة المالكية: كيف نشأت في مصر، وكيف تطورت، وأشهر العلماء فيها، ثم بعد ذلك تحدث أئمة هذه المدرسة في هذا القرن من المصريين، فعرف بكل منهم تعريفاً مختصراً، وبيّن أثره في مدرسته، وذكر منهم ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وعبد الله بن عبد الحكم، وأصبغ بن الفرج، وغيرهم. ثم تحدث عن خصائص هذه المدرسة وأسلوبها في الاجتهاد.
وفي الفصل الثاني انتقل المؤلف للحديث عن المدرسة الشافعية: كيف نشأت، وكيف تطورت، وأشهر العلماء فيها، ثم بعد ذلك تحدث أئمة هذه المدرسة في هذا القرن من المصريين، فعرف بكل منهم تعريفاً مختصراً، وبيّن أثره في مدرسته، وذكر منهم الشافعي، والبويطي، والمزني، ثم تحدث عن خصائص هذه المدرسة وأسلوبها في الاجتهاد.
وفي الفصل الثالث تحدث المؤلف عن المدرسة الحنفية: كيف نشأت، ومن الذين دخلوا بالفقه الحنفي إلى مصر، وما موقف الناس منه، ثم كيف تطورت، وعرف ببعض أئمتها، ومنهم: بكار بن قتيبة، وابن أبي عمران، والطحاوي، ثم بيّن خصائصها وأسلوبها في الاجتهاد.
ثم انتقل إلى الباب الثالث، وخصصه للدراسة الفقهية المقارنة، وحدد الأسلوب الذي سلكه في ذلك والمجالات التي قارن فيها بين هذه المدارس وهؤلاء الأئمة، وقسم هذا الباب إلى ستة فصول، في الفصل الأول قارن المؤلف بين أئمة كل مدرسة على حدة في مجال الرواية عن الإمام، ونقل مذهبه إلى الدراسين، وفي الفصل الثاني قارن بين أئمة كل مدرسة في مجال اختياراتهم الفقهية وترجيحاتهم وتخريجاتهم، وفي الفصل الثالث تحدث عن أسلوب الاجتهاد، وفي الفصل الرابع قارن بين هؤلاء الأئمة في الاجتهاد، وحدد مركز كل منهم فيه، وبيّن طبقاتهم في الاجتهاد، وأنهم جميعاً مجتهدون، ولكنهم متفاوتون في هذا الاجتهاد، وفي الفصل الخامس قارن بين الأصول التي أقام عليها كل منهم اجتهاده، وفي الفصل السادس انتقل المؤلف إلى المقارنة بينهم في مجال الإنتاج الفقهي، وأثر ذلك في نمو كل مدرسة وتطوير كل مذهب.
فمن خلال هذا الكتاب نكون قد تعرفنا على مرحلة من أهم مراحل الفقه الإسلامي ازدهرت فيها مدارسه وكثر فيها أئمته، وبرز فيها الاجتهاد الفقهي في أثواب زاهية وأساليب راقية في منطقة كانت في هذا القرن أو في النصف الثاني منه حاضرة العالم الإسلامي وقبلة العلماء وطلاب العلم في كل مكان.

د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
نشر بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 10/5/2016م.

كتاب قرأناه لك الدولة المدنية بين الإسلام والغرب للأستاذ الدكتور/ محمد الشحات الجندي . إعداد/ د/ أحمد عرفة



كتاب قرأناه لك
الدولة المدنية بين الإسلام والغرب
للأستاذ الدكتور/ محمد الشحات الجندي
يقع الكتاب في 336 صفحة طبعة وزارة الثقافة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى سنة 2011م.
يتناول الكتاب قضايا الدولة المدنية والدولة الدينية، والتي بات طرحها ومعالجتها في الوقت الراهن أمراً في غاية الأهمية. في ظل أحداث خانقة يتسارع إيقاعها ويتعاظم أثرها في الشأن الداخلي وفي المنطقة العربية والإسلامية بأسرها.
يذكر المؤلف في المقدمة سبب تأليفه للكتاب فيقول:( دفعني إلى الكتابة في موضوع الدولة المدنية ما أحمله من انتماء للدين والوطن والأمة، يملك عليَّ كياني، ويشغل اهتمامي بغير حدود، وهو الشاغل والهام الذي لا يعلو عليه شاغل آخر ولا هم يماثله، وحسبي أن الاهتمام بأمر الإٍسلام والوطن، يشكلان صمام الشخصية المتوازنة الواثقة، والريادة في العالمين وبين الأوطان وهما مظهر لصلاح وإصلاح الحاضر، والأمل الناهض في المستقبل.
ثم يقول: ولكون الدولة المدنية أًصبحت مطلباً ملحاً للأخوة الدينية والوطنية، ولحق الله والأرض التي هي منبع النشأة الأولى، وحفظاً لهما معاً، وجدتُ لزاماً أن أتناول الموضوع الذي أثير حول اللغط والمزايدة بما لا يجوز عند العقلاء والغيورين على حماية المقدس من العبث به والنيل منه، وهو الشأن في الوطن والدين، فكلاهما عطاء من عند الله مالك الملكوت).
قسم المؤلف الكتاب إلى مقدمة وبابين وخاتمة، وجعل الباب الأول بعنوان: الدولة بين الدين والسياسة، وقسمه إلى ثلاثة فصول.
 أما الفصل الأول فقد تحدث فيه عن إطلالة على الأديان وأيدولوجية الغرب بيّن فيه إساءة ممارسة السلطة الدينية، وأزمة الجماعات الإسلامية الحديثة، وأن هذه الحركات الإسلامية أطروحات متعددة في هوية الإسلام في مصر على سبيل المثال، ما بين الإسلام الوسطي المعتدل الذي يمثله الأزهر، إلى طرح فكر الإسلام السلفي، وفكر العنف والجماعة الدينية الواحدة وفكر التكفير والهجرة، وفكر الدين من أجل السياسة والسلطة، مما أثار النعرات الدينية والطائفية داخل الوطن، واشتبك الدين والسياسة في صراع بين الأخوة يؤدي إلى تفتيت وحدة الوطن، ثم تعرض لإطلاق الدولة الدينية على نظام الدولة الإسلامية، والممارسات الخاطئة التي مارستها الدولة الدينية في أوروبا في العصور الوسطي، وتفكيك أوروبا لفكر وحدة الدولة في الإسلام، وتحدث عن بعض مساقات مقولات الدولة الدينية في الإسلام التي يحسب الناظر إليها أن فيها تجسيداً للسلطة الدينية، ومن ذلك نظرية الإمامة عند الشيعة، وإدعاءات السلطة الدينية فيما نُسب لبعض الخلفاء، ووجود ممارسات خاطئة في مسيرة الحكم في عصور التخلف، وبيّن مساوئ الدول الطائفية في عصور التخلف من انقسام تفكك الجامعة الإسلامية، والإخلال بحقوق المساواة والعدالة، وغياب قاعدة الشورى.
وتحدث في الفصل الثاني عن نشأة الدولة المدنية في الغرب، وبيّن أنها دولة سيادة القانون الذي يخضع له الجميع تحكم بالقانون وتنصاع له، وهي معنية بالشأن السياسي والشأن العام، باعتبارهما مسئولية مشتركة بين الشعب والحكومة على أسس منها: أن الشعب هو مصدر السلطة، وأن شرعية السلطة مردها إلى الشعب، فالسيادة تكون للشعب، ومشاركة المواطنين في الشئون العامة والسياسية من خلال المجالس النيابية، وتقرير المواطنة لكل أفراد الشعب، في الحقوق والواجبات على قدم المساواة، دون تمييز على أساس العقيدة أو الجنس أو اللون أو المركز الاجتماعي، والمساواة في الحقوق الدستورية والسياسية والقانونية، وتمتع كل مواطن بالحقوق والواجبات، وإرساء الحريات كوسيلة لممارسة الحقوق العامة وحرية التعبير عن الدين والرأي والفكر، وحماية الحريات بأشكالها المتنوعة، وصيانة ممارستها في ظل الديمقراطية، والفصل بين سلطات الدولة، وأخصها الفصل بين الدين والدولة والسلطات العامة التشريعية والتنفيذية والقضائية، كونها ضمانة من ضمانات الحكم الديمقراطي.
ثم تحدث عن حقائق حول نشأة الدولة في الإسلام في النظام السياسي الإسلامي، والحاجة للاجتهاد في المجال السياسي في شئون الحكم والسياسة الشرعية، فهي من أوسع المجالات بحاجة إلى الاجتهاد، وتأسيس عقد اجتماعي قوامه العناية بالمصالح العامة، وإرساء التعايش وانتظام أحوال الأمة، وتحدث عن ركائز الدولة الناشئة من بناء المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وصحيفة المدينة التي جعلت سكان المدينة من المهاجرين والأنصار واليهود شعباً واحداً، يتمتع فيها جميع الأفراد بالأمن والسلام.
وفي الفصل الثالث تحدث عن السوابق السياسية في عصر الخلفاء الراشدين، وبيان التعددية في رعاية المصالح العامة من خلال اختيار الخليفة الذي يتولى رئاسة الدولة، ومحاربة الخارجين على نظام الدولة، الممتنعين عن أداء فريضة الزكاة في الإسلام، المجاهرين بالانفصال عن ولايتها، ونقض وحدتها،وتوزيع العطاء من بيت المال على المسلمين، ثم تحدث عن ممارسات النظام السياسي فيما بعد عصر الخلفاء الراشدين، ثم ختم هذا الفصل ببيان حقوق وواجبات الحاكم وعلاقته بالأمة.
أما الباب الثاني فقد جاء بعنوان: أسس الحكم والنظام السياسي، وقسمه إلى أربعة فصول، أما الفصل الأول فقد تحدث فيه عن الشورى والديمقراطية، وبيّن أن نظام الدولة الإٍسلامية يقوم على مشاركة الأمة أو الشعب، في الشئون السياسية والعامة، إذ الدولة تتأسس على أرض وشعب وسلطة، وأن مفهوم الشورى يعني: قيام الحاكم بطلب الرأي من الأمة في إدارة شئون الحكم والعمل العام تحقيقاً للصالح العام، في مجالات الحياة المختلفة، ومؤدى ذلك أن الشورى نتاج رأي وتفكير وتدبير جماعي يتم بالمشاركة بين طرفي العقد الاجتماعي وقطبي النظام، فباجتماع رأيهما تتجلى الحقيقة، وينجلى الصواب، ثم بيّن أن دولة الإسلام تأسست على الشورى، ثم بيّن مهام مجلس الشورى ومواصفاته أعضائه، ودور الهيئة أو المجلس في الرقابة والتشريع، ثم بيّن لزوم الشورى، وأنها عامة وشاملة لكل مجالات الحياة، ثم بعد ذلك انتقل للحديث عن الشورى والديمقراطية المعاصرة، وبيّن أن الشورى تختلف عن الديمقراطية في بعض الجوانب، ومنها: أن الشورى تتم في إطار مرجعية الشريعة، والديمقراطية تعتمد على السيادة المطلقة، الشورى تخول السيادة للشعب، الذي يتكون من جماعة المؤمنين، فإرادة الأمة فيها معتبرة، أما الديمقراطية فمبدأ السيادة فيها للشعب بصورة مطلقة، فلا سقف لها تقف عنده، فهو مصدر السلطات، وعموم مفهوم الأمة في الشورى عن مفهوم الأمة في الديمقراطية، وأن نظام الشورى أكثر رحابة من نظام الديمقراطية، ثم بيّن أن الديمقراطية تطور عصري للشورى، ثم تحدث عن الديمقراطية في المنظور الشرعي، وتجاوزات الديمقراطية.
وفي الفصل الثاني تحدث عن المواطنة ومفهوم المواطنة، وبيّن أنها تتأسس على المساواة في الأوضاع القانونية والاجتماعية بالمعنى العام، فالكل سواء قد انصهروا في نسيج واحد وتوحدت فيهم الجماعة الوطنية، فهي حصن يجتمع تحت رايته المسلم والمسيحي، والأعجمي والعربي، والرجل والمرأة، والرئيس والمرءوس، ثم بيّن أصول المواطنة في الشرع والسياسة من الاعتراف بالتعددية والتنوع، والانتماء والولاء، والأخوة والمودة بين الجماعة الوطنية، والوفاء لغير المسلمين بالحقوق مما يؤكد الموقف الإسلامي من التعايش المشترك من منطلق أن الشعب في الدولة الإسلامية، يتكون من المسلمين وغير المسلمين، فإن جميع أفراد هذا الشعب يكون لهم حقوق في دولة الإسلام كما عليهم واجبات، وهذا يقتضي البر بهم وحسن المعاملة، والمساواة في أمور المعايش، والمصالح الحياتية والعامة، والمشاركة في الشئون السياسية والمناصب القيادية، ثم بيّن دوائر المواطنة ومجالاتها من المواطنة الإنسانية، والمواطنة الجامعة للوحدة الوطنية، والمواطنة الدينية، ثم طبق ذلك على الشأن المسيحي المصري والحالة المصرية الراهنة، وبيّن أسباب الأزمة ومقترحات الحل للوضع الراهن.
أما الفصل الثالث فقد تحدث فيه عن حقوق الإنسان مبيناً الأساس العقدي والتشريعي للحقوق في الشريعة موضحاً الحقوق المتفردة لحقوق الإنسان في الشريعة وأن كل آدمي يمثل صرحاً بذاته في هذا الوجود الذي خلقه الله بشخصية مستقلة، ويتمتع بالخلافة عن الله في الكون، وأنه يتمتع على النطاق العالمي بحقوق إنسانية أساسية، تؤهله للقيام بمهمة الخلافة التي خصه الله بها عن الكائنات، أو المخلوقات الأخرى، كحق الحياة وحق المساواة وحق المواطنة وحق التمتع بالحريات الشخصية، وحق الكرامة، وأن هذه الحقوق إلهية في مصدرها وإنسانية ووطنية وعالمية في أهدافها، ثم بيّن حقوق الإنسان في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ثم ذكر الحقوق الإنسانية ومنها: حق الحياة في الإسلام، والمساواة، والحرية، وحقوق المرأة في الإسلام، ونظرة الغرب إلى المرأة، بيّن فيها عدة مسائل مهمة منها الذمة المالية المستقلة للمرأة، وعمل المرأة، وبيان مساواة المرأة للرجل في مجال الكسب والعمل، وحق المرأة في العمل الاجتماعي، ووضع المرأة في الحالة الراهنة، ومدى أحقية المرأة في المشاركة في المجالس التشريعية، وحكم تولى المرأة رئاسة الدولة.
أما الفصل الرابع فقد تحدث فيه عن الدولة الإسلامية المعاصرة، ونموذج الحالة الراهنة لأوطان العروبة، ونموذج التعايش الإسلامي، وبيان ضرورة التغلب على عوامل الشقاق والفرقة، ثم ذكر تطبيق على الحالة المصرية وبيّن أصالة العلاقة بين قطبى الوطن المصري، والتعايش المشترك للمسيحيين والمسلمين على أرض مصر وأنه يعد معلماً حضارياً على مدى عصور وأجيال منذ الفتح الإسلامي لهذه الأرض على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
ثم ختم المؤلف الكتاب ببيان بعض الملامح والرؤى لاستشراف المستقبل من أجل إطار جامع لعقد اجتماعي لمعالجة الأزمة القائمة على التراب المصري بين المسلمين والمسيحيين، ومنها: وقف العنف الحاصل بين أبناء الأمة، وتجفيف منابع الخلاف التي تؤدي إليه فوراً بواسطة الوسائل الودية، والوقوف بحسم ضد دعاة الفرقة والمروجين لفكر الطائفية في الداخل والخارج بين المسلمين والمسيحيين، وتشكيل لجان من الحكماء وطرح المبادرات التي تتولى مساعي الوساطة والصلح من الفريقين، من بين المشهود لهم بالنزاهة والكفاءة وذوي السمعة الطيبة والوطنية الصادقة، للقيام بسماعى حميدة من أجل الوقاية من وقوع عمليات تلحق الضرر أو الأذى بالفرد أو الجماعة، وقيام المؤسسة الدينية بدورها الديني والمجتمعي، فإن الواجب على مؤسسة الأزهر والكنيسة، توعية الجماهير المسلمة والمسيحية بصحيح الدين، ونشر قيم المودة والتسامح ونبذ التعصب والدعوة إلى السلام، في العلاقات الحياتية بين المسلم والمسيحي، وتفعيل قيم المواطنة المجتمعية، والعبور بها من المبدأ إلى الفعل والسلوك، والاحترام المتبادل للدين الإسلامي والمسيحي، واعتماد لغة الحوار البيني والمجتمعي للتعرف على المطالب، والاحتياجات التي تتطلبها مصلحة المسيحيين أو المسلمين، بما لا يتعارض مع المصلحة العامة، فهذه الحوارات هي وسيلة بناءة للانفتاح على شريك الوطن، وبحث مطالبه والتفاعل معه، وفقاً للعدالة والإنصاف، وتحقيق التفاهم، والتوحد في المواقف الوطنية.
د/أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com
نشر بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 9/2/2016م.

كتاب قرأناه لك الإسلام وحاجة الإنسانية إليه للأستاذ الدكتور/ محمد يوسف موسى –رحمه الله- إعداد/ د/ أحمد عرفة



كتاب قرأناه لك
الإسلام وحاجة الإنسانية إليه
للأستاذ الدكتور/ محمد يوسف موسى –رحمه الله-
طبع هذا الكتاب طبعات كثيرة، وترجم إلى عدة لغات غير العربية، طبعه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة سنة 1429هـ-2008م، يقع في 234 صفحة من القطع الكبير.
يقول المؤلف في البداية عن أهميته:" هذا بحث عن "الإسلام وحاجة العالم والإنسانية إليه" وهو يحتاج في رأينا إلى أن يكتب فيه كثير من العلماء المختصين الذين عرفوا العالم قبل ظهور الإسلام، وعرفوه بعد أن جعلت للإسلام قيادته، ثم عرفوه بعد ذلك إلى هذه الأيام التي نحياها ومن ثم يكونون على علم بأسباب المجد والعزة والرفاهية، وبأسباب الحيرة والقلق والاضطراب، ثم بطريق الخلاص مما يشقى به هذا العصر".
وترجع قصة تأليف هذا الكتاب إلي أن المؤلف بعد سفره إلي فرنسا سنة : 1945 لنيل درجة التخصص في الفلسفة الإسلامية شعر بالحاجة الملحة إلي إعداد كتاب من الإسلام يتناوله من كل نواحيه, ويترجم إلي اللغات العالمية , ليكون وسيلة فعالة لتعريف الغربيين بالإسلام، ولجأ الدكتور موسي إلي بعض شيوخ الأزهر والجهات الرسمية المسؤولة يطلب منهم إعداد هذا الكتاب, ولكن لم يشرح الله صدر أحد منهم لتنفيذ هذه الفكرة , ويقول المؤلف: ( ولما يئست منهم قلت لنفسي كما قال آخرون لي: لماذا لا أكتب أنا هذا الكتاب فأخرج بكتابته حسب ما أستيع من العهدة, وأكون قدمت بواجب التبليغ المفروض علي كل مسلم , أترك أمر ترجمته وتبليغه للعالم الغربي إلي أن يقضي الله فيه ما يشاء). 
قسم المؤلف الكتاب إلى خمسة أقسام، وذلك كما يلي:
تحدث في القسم الأول بفصوله الثلاثة عن أن الإسلام هو الدين الحق, فهو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله للناس كافة, وأن البشرية اليوم في أمس الحاجة إليه , ولا خلاص لها مما تعانيه إلا بالإيمان  به وإتباعه, ثم أهم خصائص الإسلام فهو دين الوحدة الدينية والسياسية والاجتماعية, ودين العقل والفكر, وهو الذي قرر حقوق الإنسان من الحرية والمساواة، وأنه دين الإنسانية عامة، ومن أجل هذا وجب أن يكون ديناً عالمياً للناس جميعاً، وأن يكون في طبيعة هذه الرسالة ما يجعلها حقاً صالحة للإنسانية في كل عصر وجيل وزمان، وأن الإسلام دين ودولة.
وألقي المؤلف الضوء في القسم الثاني بفصوله الأربعة علي علم التوحيد نشأته وتطوره وما يجب أن يكون عليه من العصر الحاضر, ثم تحدث عن وجود الله ومعرفته, وحدوث العالم عنه, ووحدانيته, وعدالته ورحمته, ووعده ووعيده، وأما القسم الثالث بفصليه فقد أفرده للنبوة والرسالة, والبعث والحياة الأخري .
وفي القسم الرابع بفصوله الثلاثة حديث مستفيض عن الشريعة الإسلامية، وجاء الفصل الأول حول تعريف الشريعة الإسلامية والحاجة إليها ونشأتها وتطورها وكمالها، وفي الفصل الثاني تحدث عن خصائص التشريع الإسلامي وأسسه العامة، ومن هذه الأسس عدم الحرج ودفع المشقة، ورعاية مصالح الناس جميعاً، وتحقيق العدالة الشاملة.
ثم جاء الفصل الثالث للحديث عن مستقبل التشريع الإسلامي، وماذا نريد منه، وحال الفقه الإسلامي بالأمس القريب وحاله اليوم، وكيف نصل إلى ما نريد؟
وكان القسم الخامس والأخير عن مقاصد الإسلام وغاياته, وحصرها المؤلف في ثلاثة فصول، في الفصل الأول تحدث عن تربية الفرد، وبيّن أن الفرد هو اللبنة الأولى التي يتكون منها المجتمع ويقوم عليها فمتى نشأ الفرد تنشئة صالحة صلح المجتمع بلا ريب، وهنا نجد الإسلام قد عنى عناية كبيرة بتربية الفرد، عناية لا نجدها من ناحية الشمول والتفصيل في دين آخر من الأديان السماوية التي جاءت قبله.
وفي الفصل الثاني تحدث عن إصلاح المجتمع، وبيّن أن أول حلقة في إصلاحه هي الأسرة، ولذلك نجد الإسلام أحاط الأسرة بكل الحقوق والضمانات التي تجعلها أسرة هانئة حقاً، والتي تجعل منها عدة ومدداً لمجتمع سليم سعيد، إذا قام كل من أفرادها بما له من حقوق، وما عليه من واجبات كما يفرضه الإسلام.
ثم جاء الفصل الثالث عن السلام العالمي بيّن فيه أن الإسلام ليس ديناً مغلقاً على شعب واحد أو أمة واحدة، بل هو دين مفتوح لكل من يطلب الحق ويؤمن به، هو دين عالمي للناس جميعاً في جميع العصور، ولذلك كان من الطبيعي أن يراعي الإسلام هذه الحقيقة الواضحة، وأن يعمل على أن يعيش الناس بسلام في جميع أنحاء العالم وفي كل الأزمان.
ولخصت الخاتمة أهم ما اشتمل عليه الكتاب من قضايا, وأكدت علي ما  يجب نحو الإسلام من فهم صحيح له, تبليغ لأحكامه بشتى اللغات للعالم قاطبة.
وعن هذا الكتاب وقيمته العلمية يقول الشيخ أبو الحسن الندوى رحمه الله في مقدمته للكتاب فيقول:
( صدر أخيراً كتاب (الإسلام وحاجة الإنسانية إليه) لصديقنا الفاصل المحقق الأستاذ الدكتور/ محمد يوسف موسي, وهو أفضل كتاب وقع عليه نظري في هذا الموضوع, وهو كتاب يجمع بين علم الكلام والتاريخ والعقيدة والشريعة والدعوة والعقل والعاطفة.
وأفضل ما يتسم به هذا الكتاب من بين كتب هذا الموضوع الشجاعة والصراحة , والإيمان العميق بأن الإسلام هو الدين الخالد, الذي يصلح لكل عصر ومصر, وأنه حاجة الإنسانية في كل زمان ومكان, مع الاستقلال الفكري في البحوث التي يشمل عليها هذا الكتاب من الدراسات والمعلومات التي هي عصارة المطالعة والتفكير ما يحتاج إليه ويفيد منه العلماء والأساتذة)
ويستطرد الشيخ الندوي فيقول: (ومن أفضل أبواب هذا الكتاب أقسامه هو القسم الرابع (الشريعة الإسلامية) الذي يكاد يشغل نصف الكتاب, وأعتقد أنه لا يستغني عن مطالعته كبار العلماء ومن أجمل أجزائه خصائص التشريع الإسلامي وأسسه العامة.
وأعجبني في هذا إيمان المؤلف, إفاضته في الحديث عن الآخرة, وفي ذكر الجنة ونعيمها, وهو موضوع يروغ منه كثير من الكتاب العصريين, وكثير من العلماء الناشئين, ويطوونه طبا لما فيه من الغرابة والبعد عن المحسوسات وعن روح العصر, وهو مقياس لإيمان الكتاب والباحثين وشجاعتهم).

د/أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com
نشر بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 26/4/2016م.

أحمد إبراهيم بيك فقيه العصر ومجدد ثوب الفقه في مصر للأستاذ الدكتور/ محمد عثمان شبير. إعداد/ د/ أحمد عرفة



أحمد إبراهيم بيك
فقيه العصر ومجدد ثوب الفقه في مصر
للأستاذ الدكتور/ محمد عثمان شبير
هذا الكتاب ضمن سلسلة علماء ومفكرون معاصرون التي تصدرها دار القلم بدمشق، الإصدار رقم (34) يتناول هذا الكتاب السيرة العلمية لعالم كبير من علماء مصر والعالم الإسلامي إنه الشيخ العلامة الكبير/ أحمد إبراهيم بك فقيه العصر ومجدد ثوب الفقه في مصر.
يقول المؤلف في بداية الكتاب: لقد وجدت في نفسي اندفاعة قوية للكتابة عن حياة هذا الشيخ الجليل العلمية، وفقهه ومنهجه، ودوره في تجديد الفقه ومؤلفاته، لعلي أكون ممن يقوم بواجب ذكر هذا الإمام العلامة، وممن يوفي بوعد شيخينا الذي تتلمذت على كتبه في الفقه والأصول.
وقسم المؤلف الكتاب إلى مقدمة وفصلين وخاتمة:
في الفصل الأول تحدث عن لمحات من حياة الشيخ وعصره ونشأته وتكوينه العلمي، وذكر أنه عاش الشيخ أحمد إبراهيم- على وجه التقريب- في القرن الرابع عشر الهجري الموافق للقرن العشرين الميلادي، حيث ولد سنة (1364هـ-1945م) وفي هذه الفترة تعرض العالم الإسلامي لأشرس هجمة غربية صليبية يهودية، فلم تكن تلك الهجمة مجرد ردة فعل كالهجمات السابقة، وإنما كانت هجمات منظمة ومخططاً لها، وكانت ولادته بالقاهرة، وفي حي الباطنية المجاور للأزهر الشريف. كما قال الدكتور محمد عبد الجواد "ولد رحمه الله في يناير سنة (1874م) بحي الباطنية من الأحياء المجاورة للأزهر بالقاهرة". ثم بيّن نبوغه العلمي وتفوقه على أقرانه، وذكر منهم الشيخ عبد الوهاب النجار، والشيخ عبد العزيز جاويش، والشيخ حسن منصور بك، والشيخ محمد عز العزب.
وكان الشيخ يتمتع بمواهب عديدة من الذكاء، والذاكرة القوية، ودقة الكتابة وجمال الأسلوب، وامتازت أخلاقه بالتواضع والإخلاص في العمل والوفاء والعزة والكرامة، وكانت له مواقف مشهودة في الجوانب الإصلاحية، ومنها موفقه من دعوة الشيخ محمد عبده الإصلاحية، وموقفه من الطاعنين في الإسلام والمنحرفين عنه.
ثم انتقل للحديث عن شيوخه وذكر منهم الشيخ محمد عبده، والشيخ حسن الطويل، والشيخ أحمد مفتاح، ومن تلاميذه الشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ على الخفيف، والشيخ محمد أبو زهرة.
ثم انتقل المؤلف للحديث عن وظائفه قائلاً:  لما كان الشيخ أحمد إبراهيم مؤهلاً للقيام بهذه الوظيفة بكل كفاءة واقتدار رشحته عدة مؤسسات جامعية للقيام بمهمة التدريس الجامعي مثل: دار العلوم، ومدرسة القضاء الشرعي، ومدرسة الحقوق، وكلية الحقوق.
وأما عن مكانته العلمية فقد شهد له كثير من علماء عصره بالمكانة العلمية المرموقة منهم الشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ محمد أبو زهرة، والأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني، والأستاذ إبراهيم دسوقي أباظة.
ثم ختم الفصل بذكر وفاته وثناء العلماء عليه قائلاً: وقد ظل الشيخ أحمد إبراهيم صابراً على ما أصابه من مرض إلى أن توفي يوم الأربعاء (11) من ذي القعدة سنة (1364هـ) الموافق (17) من أكتوبر سنة (1945م) عن إحدى وسبعين سنة قضاها في التأليف والتدريس والإصلاح الاجتماعي.
قال عنه الشيخ عبد الوهاب خلاف:«توفي إلى رحمة الله عالم من أفضل علماء مصر، وفقيه من أجل فقهاء المسلمين، وأستاذ من خيرة أساتذة كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول، هو الأستاذ الجليل صاحب العزة المرحوم أحمد إبراهيم بك»، وقال الأستاذ إبراهيم دسوقي أباظة:«أما أستاذي المفضل في سائر مراحل التعليم، فهو العلامة الكبير والباحث المرفق أحمد بك إبراهيم، فله علي فضل الإرشاد والتوجيه والتعليم، وقد كنت أحاول أن أتخذه قدوة، ولو اقتدى به سائر المصريين لما بكينا على العلم ولا على الأدب والدين».
وفي الفصل الثاني تناول المؤلف التعريف بمنهج الشيخ ومؤلفاته، وذكر أن من منهجه في التأليف والكتابة الجمع بين الأصالة والمعاصرة، والتركيز على مقاصد الشريعة وحكم التشريع، ومراعاة السهولة والبساطة في العبارة، والإحاطة والشمول في الجزئيات، والتوثيق الإجمالي للمعلومات في مؤلفاته.
ثم انتقل إلى ذكر مؤلفاته ومنها: علم أصول الفقه، والأهلية وعوارضها والولاية في الشرع الإسلامي، أحكام تصرفات المريض مرض الموت بين الشريعة والقانون، مصادر الفقه الإسلامي، وتاريخ التشريع الإسلامي، والعلاقة بين الدين والقانون، والالتزامات في الشرع الإسلامي،  والحق ورأي فقهاء الشريعة الإسلامية فيه من حيث إطلاق وتغييره، والمعاملات الشرعية المالية، والتزام التبرعات، وأحكام الوقف والمواريث، والعقود والشروط والخيارات، الوصية، وبيان أحكامها في الشريعة الإسلامية، مع عرض آراء الفقهاء في جميع المسائل وأدلتها، وأحكام التصرف عن الغير بطريق النيابة، الوقف وما ينبغي أن تكون عليه أحكامه، والمبادئ التي أخذ بها مشروع قانون الوقف الجديد، الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية، ونظام النفقات في الشريعة الإسلامية، وموجز في المهر وبدل الخلع وتصرفات المريض والهبة والوصية والميراث والوقف، وأحكام المرأة في الشريعة الإسلامية، وطرق الإثبات الشرعية، والمرافعات الشرعية، وبحوث أخرى نشرت في مجلات متخصصة كمجلة القانون والاقتصاد بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وبحوث منشورة بالعديد من المؤتمرات. رحمه الله تعالى وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.اللهم آمين.
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 5/4/2016م.

كتاب قرأناه لك أحكام الأضحية والعقيقة بحث فقهي مقارن للأستاذ الدكتور/ عبد الفتاح محمود إدريس - إعداد/ د/ أحمد عرفة



كتاب قرأناه لك
أحكام الأضحية والعقيقة
بحث فقهي مقارن
للأستاذ الدكتور/ عبد الفتاح محمود إدريس
يقع هذا الكتاب في 260 صفحة، الطبعة الأولى 1428هـ- 2007م، وهو بحث فقهي مقارن بين المذاهب الفقهية فيما يتعلق بأحكام الأضحية والعقيقة.
يقول المؤلف في المقدمة: "الأضحية والعقيقة شعيرتان من شعائر الإسلام، غفل عن أكثر أحكامهما كثير من الناس، إذ تحوط فكرة الأضحية في أذهان البعض ضبابية سببها البعد عن شرع الله تعالى، والاستنكاف عن سؤال أهل الذكر في أحكامها، واقتران التضحية لدى البعض بالمباهاة والمفاخرة والرياء بما يضحون به، ولذا فلا يدري كثير ممن يتقربون بأضحياتهم أن كانت توافق الشرع أو تخالفه، وأما بالنسبة للعقيقة فقد دأبت الكثرة الكاثرة في بعض المجتمعات الإسلامية على التنكب عن شرع الله فيها عن عمد وإصرار عجيبين، جرياً على عادات موروثة هي الجاهلية الأولى بعينها، من إجراء طقوس ما يطلق عليه (السبوع)، الذي ليس فيه ما يمت إلى الإسلام بأدنى صلة.
ثم يقول: "ولما كانت الأضحية والعقيقة تتشابهان في أكثر أحكامهما، وجدت من المناسب تناول أحكامهما في هذه العجالة السريعة، التي أطلقت عليها مسمي "أحكام الأضحية والعقيقة".
وقد قسم المؤلف هذه الدراسة إلى مبحثين:
المبحث الأول: تناول فيه أحكام الأضحية من حيث تعريفها، وبيان مشروعيتها، واختلاف الفقهاء في حكمها، وشروطها، ثم تحدث بالتفصيل عن عيوب الأضحية، ثم بيّن بعد ذلك المجزئ والأفضل في الأضحية، ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن حكم تسمين الأضحية، وحكم اجتماع الهدي والعقيقة والأضحية، ثم بيّن الآداب التي ينبغي أن تراعى قبل التضحية وعند التضحية، ثم بيّن وقت ذبح الأضحية، ثم ختم هذا المبحث بالحديث عن توزيع لحم الأضحية والأكل منها، وحكم استبدال الأضحية والتصدق بقيمتها.
المبحث الثاني: تناول فيه أحكام العقيقة من حيث تعريفها، وبيان مشروعيتها، وحكمها، وشروط العقيقة ومقدارها، ثم انتقل للحديث عن حكم اشتراك أكثر من واحد في العقيقة، وأفضل ما يعق به في النعم، وذكاة العقيقة والتصرف فيها، ووقت ذكاة العقيقة، ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن التصرف في العقيقة، وختم المؤلف هذا المبحث ببعض السنن المصاحبة للعق عن الولد من التسمية، وحلق رأس الولد والتصدق بزنته فضه، وختان المولود الذكر، وخفاض الأنثى، ووقت ختان المولود.
وفي الختام نجد أن هذه الدراسة قد استوعبت أحكام الأضحية والعقيقة وما يتعلق بهما في الفقه الإسلامي فهي جديرة بالاهتمام والعناية من الباحثين والدارسين وطلاب العلم والعلماء. والحمد لله رب العالمين.

د/أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
نشر بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 13/9/2016م

الجمعة، 9 سبتمبر 2016

فضائل يوم عرفة



فضائل يوم عرفة
يوم عظيم من أيام الله تعالى ، إنه يوم الرحمة والمغفرة، إنه يوم الحج الأكبر، إنه يوم التهليل والتكبير والتحميد، إنه يوم استجابة الدعاء، إنه يوم تسكب فيه العبرات وتنزل فيه الرحمات ، إنه يوم العتق من النار، ألا وهو يوم عرفة هذا اليوم العظيم الذي هو أفضل أيام العام له فضائل كثيرة جداً ما أحوجنا إلى التعرف عليها والعمل بها واغتنام هذا اليوم في طاعة الله، فمن فضائل هذا اليوم  أنه أحد أيام الأشهر الحرم قال الله عز وجل-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) [سورة التوبة: 39]. والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب ويوم عرفه من أيام ذي الحجة، ويوم عرفة أحد أيام أشهر الحج قال الله - عز وجل-: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) [سورة البقرة: 197] وأشهر الحج هي: شوال، ذو القعدة ، ذو الحجة، ويوم عرفة أحد الأيام المعلومات التي أثنى الله عليها في كتابه قال الله - عز وجل- : (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [سورة الحج:28]. عن الحسن قال: الأيام المعلومات عشر ذي الحجة والمعدودات أيام التشريق، وعن سعيد بن جبير قال: الأيام المعلومات أيام العشر، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: في أيام معلومات قال: العشر، وعن قتادة قال: الأيام المعلومات أيام العشر والأيام المعدودات أيام التشريق.(فضل عشر ذي الحجة: للطبراني صـ4).
ومن فضائل يوم عرفة أن الله عز وجل أقسم به في كتابه العزيز والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) (البروج: 3)، وأخرج الإمام الترمذي في سننه بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اليوم الموعود : يوم القيامة، واليوم المشهود : يوم عرفة، والشاهد: يوم الجمعة).
ويوم عرفة أحد الأيام العشر التي أقسم الله بها منبها على عظم فضلها وعلو قدرها قال الله - عز وجل- : (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [سورة الفجر:2]. قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : إنها عشر ذي الحجة، ويوم عرفة أحد الأيام العشر الأول من ذي الحجة التي فضلت عن غيرها من الأيام والعمل الصالح فيها ثوابه، وذلك لما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر)) قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء)).
ويوم عرفة هو اليوم الذي أكمل الله عز وجل فيه الدين وأتم علينا فيه النعمة، وذلك لما أخرجه البخاري في صحيحه عن طارق بن شهاب قال : قال رجل من اليهود لعمر : يا أمير المؤمنين, لو أن علينا أنزلت هذه الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) لأتخذنا ذلك اليوم عيداً , فقال عمر : "إني لأعلم أي يوم نزلت هذه الآية , نزلت يوم عرفة , في يوم الجمعة " ففي هذا اليوم أكمل الله دينه وأتم نعمته , فمن الواجب علينا أن نشكر الله على إتمام نعمته علينا والتقرب إليه بالفرائض والنوافل على ضوء ما جاء بالكتاب والسنة .
ويوم عرفة يوم العيد لأهل الموقف، أخرج الإمام أبو دواد في سننه بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم:(يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام)، ويوم عرفة يوم العتق من النار، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء»؟
قال الإمام النووي رحمه الله:«هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة, وهو كذلك».
 ويوم عرفة يوم الحج الأكبر: فالوقوف بعرفة في هذا اليوم العظيم هو ركن الحج الأعظم ، ولا تصح هذه الفريضة العظيمة بدونه ، وذلك لما أخرجه ابن ماجة في سننه بسند صحيح عن بكير بن عطاء قال : سمعت عبد الرحمن بن يعم ، قال : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف بعرفة ، وأتاه ناس من أهل نجد ، فقالوا : يا رسول الله كيف الحج ؟ قال:
" الحج عرفة ، فمن جاء قبل صلاة الفجر ، ليلة جمع ، فقد تم حجه ، أيام منى ثلاثة ، فمن تعجل في يومين ، فلا إثم عليه ، ومن تأخر ، فلا إثم عليه ، ثم أردف رجلاً خلفه ، فجعل ينادي بهن ".
الأعمال المستحبة في يوم عرفة:
يستحب اغتنام هذا اليوم بالأعمال الصالحة التي رغب فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومنها: صيام يوم عرفة لغير الحاج: فيوم عرفة هو أحد أيام تسع ذي الحجة التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على صيامها وذلك فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه بسند صحيح عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر" ، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية".
ويستحب الإكثار من الدعاء في هذا اليوم العظيم، وذلك لما أخرجه الترمذي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". قال الإمام أبو الوليد الباجي رحمه الله: قوله:" أفضل الدعاء يوم عرفة " يعني : أكثر الذكر بركة وأعظمه ثوابا وأقربه إجابة، ويحتمل أن يريد به الحاج خاصة؛ لأن معنى دعاء يوم عرفة في حقه يصح، وبه يختص، وإن وصف اليوم في الجملة بيوم عرفة فإنه يوصف بفعل الحاج فيه، والله أعلم " (المنتقى شرح الموطأ1/ 358) .
ويستحب الإكثار من ذكر الله تعالى في هذا اليوم فهو أحد الأيام المعلومات التي أمر الله فيها بذكره قال تعالى:(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [سورة الحج: 27-28]، وقال - تعالى -: (وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ) [سورة البقرة: 203]  عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: في أيام معلومات قال: العشر، وعن قتادة قال: الأيام المعلومات أيام العشر والأيام المعدودات أيام التشريق.[فضل عشر ذي الحجة: للطبراني صـ4]، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أيام أعظم ولا أحب إليه العمل فيهن عند الله من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)). قال الإمام البخاري- رحمه الله -: " كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما- يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما".
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com

فقه الأضحية وآدابها



فقه الأضحية وآدابها
الأضحية: اسم لما يُذبح من بهيمة الأنعام في يوم عيد الأضحي وأيام التشريق الثلاث تقرباً إلى الله عز وجل، وهي من شعائر الإسلام، وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}(الكوثر:3)، وأخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:«ضَحَّى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِكَبشَينِ أملحَينِ ، فَرَأيتُهُ واضعا قَدَمَهُ على صفَاحِهِما، يُسَمَّي ويُكَبَّرُ، فَذَبَحهُما بيَدهِ»، وأجمع العلماء على مشروعيتها، واختلفوا هل هي واجبة أم سنة مؤكدة؟ والراجح كما ذهب جمهور الفقهاء أنها سنة مؤكدة؛ ولكي تكون الأضحية صحيحة لا بد لها من توافر ستة  شروط: الشرط الأول: أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام:وذلك لقوله - تعالى -: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)[الحج: 27]، وبهيمة الأنعام هي: الإبل، والبقر، والأغنام، والماعز، فلا تجزئ الأضحية بغير هذه الأصناف.
قال الإمام النووي رحمه الله: "أجمع  العلماء على أنه لا تجزى الضحية بغير الإبل والبقر والغنم".[شرح صحيح مسلم: 13/117].
الشرط الثاني: أن تكون الأضحية قد بلغت السن المعتبرة شرعاً: وذلك لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ)، والمسنة: الثنية فما فوقها، والجذعة ما دون ذلك. فالثني من الإبل: ما تم له خمس سنين، والثني من البقر: ما تم له سنتان. والثني من الغنم ما تم له سنة، والجذع: ما تم له نصف سنة، فلا تصح التضحية بما دون الثني من الإبل والبقر والمعز، ولا بما دون الجذع من الضأن.
قال الإمام النووي رحمه الله: قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإبل والبقر والغنم فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وهذا مجمع عليه. ثم قال: قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل وتقديره يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن وأنها لا تجزى بحال، وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه.[شرح صحيح مسلم: 13/117)]، وأما عن التضحية بالعجول المسمنة والتي لم تبلغ السن المقررة شرعاً فلا يجوز التضحية بها كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء. جاء في الفتاوى الهندية ما نصه:( وتقدير هذه الأسنان بما قلنا يمنع النقصان ولا يمنع الزيادة حتى ولو ضحى بأقل من ذلك شيئاً لا يجوز ولو ضحى بأكثر من ذلك شيئاً يجوز ويكون أفضل ولا يجوز في الأضحية حمل ولا جدي ولا عجول ولا فصيل).(الفتاوي الهندية: 5/297) فالمقصود من الأضحية هو تعظيم شعائر الله، وليس كثرة اللحم كما يظن كثير من الناس.
وأما عن التضحية بالجذع من المعز فلا يجوز باتفاق الفقهاء، وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاةِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ). فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنْ الْمَعَزِ . وفي رواية: (عَنَاقاً جَذَعَةً)، وفي رواية للبخاري ( فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ آذْبَحُهَا ؟) قَالَ:( اذْبَحْهَا، وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ)، وفي رواية: (لا تُجْزِئ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ). ثُمَّ قَالَ:( مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ) ففي هذا الحديث أن الجذعة من المعز لا تجزئ في الأضحية.
الشرط الثالث: أن تكون الأضحية ملكاً للمُضحي، أو مأذوناً له فيها من قبل الشرع، أو من قبل المالك فلا تصح التضحية بما لا يملكه كالمغصوب والمسروق والمأخوذ بدعوى باطلة ونحوه؛ لأنه لا يصح التقرب إلى الله بمعصيته، وتصح تضحية ولي اليتيم له من ماله إذا جرت به العادة وكان ينكسر قلبه بعدم الأضحية، وتصح تضحية الوكيل من مال موكله بإذنه.
الشرط الرابع: أن لا يتعلق بها حق للغير فلا تصح التضحية بالمرهون.(أحكام الأضحية: لابن عثيمين صـ6).
الشرط الخامس: أن تكون الأضحية خالية من العيوب:وذلك لما أخرجه أبو داود والنسائي عن عبيد بن فيروز قال: "سألنا البراء عمَّا لا يجوزُ في الأَضاحي؟ فقال: قام فينا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصَابعي أقْصَرُ من أصابعه، وأناملي أقصرُ مِنْ أنَامِلِه - فقال: أَربعٌ - وأشار بأربع أصابعه- لا تجوزُ في الأضاحي: العَوْرَاءُ البَيَّنٌ عَوَرُهَا، والمريضةُ البَيَّنُ مَرضُها، والْعَرْجاءُ البَيَّنُ ظَلَعُها، والكسيرُ التي لا تنُقي قال: قلت: فإني أكرهُ أن يكونَ في السَّنِّ نَقْصٌ؟ قال ما كرهتَ فدَعْهُ، ولا تُحَرَّمهُ على أحَدٍ".
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم اختيار الأضحية، واستحسانها، وسلامتها من العيوب، ونهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن، أي: مقطوعة الأذن، ومكسورة القرن، النصف فما زاد، ذكره أبو داود، وأمر أن تستشرف العين والأذن، أي: ينظر إلى سلامتها، وأن لا يضحى بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء. والمقابلة: هي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: التي قطع مؤخر أذنها، والشرقاء: التي شقت أذنها، والخرقاء: التي خرقت أذنها. ذكره أبو داود، وذُكر عنه أيضاً: "أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكسيرة التي لا تنقى، والعجفاء التي لا تنقى" أي: من هزالها لا مخ فيها.(زاد المعاد:2/320 وما بعدها).
الشرط السادس: أن تكون الأضحية في الذبح:ووقت الذبح من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس آخر أيام التشريق الثلاث، وذلك لما أخرجه البخاري في صحيحه عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أَضْحَى إِلَى الْبَقِيعِ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: " إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلاةِ ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ "، فَقَامَ خَالِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَنَا ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ، قَالَ: " اذْبَحْهَا ثُمَّ لا تُوَفِّي جَذَعَةٌ بَعْدَكَ ").
ويستحب لمن أراد أن يضحى أن ألا يأخذ من شعره وأظفاره شيئاً إذا دخلت العشر الأول من ذي الحجة حتى يضحى، وذلك لما رواه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّي فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ ، وَلا مِنْ بَشَرِهِ شَيْئًا ").
قال الإمام النووي رحمه الله: والمراد بالنهى عن أخذ الظفر والشعر النهى عن إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره والمنع من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذه بنورة أو غير ذلك وسواء شعر الإبط والشارب والعانة والرأس وغير ذلك من شعور بدنه. ثم قال:"والحكمة في النهى أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم قال أصحابنا: هذا غلط؛ لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس، وغير ذلك مما يتركه المحرم".[شرح النووي على مسلم: 13/138-139].
وذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها؛ قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه. قال: ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقِرَان بأضعاف أضعاف القيمة لم يقم مقامه وكذلك الأضحية.( تحفة المودود بأحكام المولود صـ65)، وقال الإمام النووي رحمه الله:( مذهبنا أن الأضحية أفضل من صدقة التطوع ، للأحاديث الصحيحة المشهورة في فضل الأضحية ، ولأنها مختلف في وجوبها ، بخلاف صدقة التطوع، ولأن الأضحية شعار ظاهر).(المجموع:8/425).
والأصل في الأضحية أنها مشروعة في حق الأحياء كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه يُضحون عن أنفسهم وأهليهم، والأضحية عن الأموات جائزة كأن يُضحى الرجل عنه وعن أهل بيته وينوى بهم الأحياء والأموات، أو أن يضحى عن الأموات تنفيذاً لوصاياهم بها، أو أن يضحى عن الأموات تبرعاً وهذا جائز أيضاً ولا شيء في ذلك، وأما ما يظنه بعض العامة من اختصاص الأضحية بالأموات فلا أصل له.(أحكام الأضحية: لابن عثيمين صـ3)، ويجوز ذبح الأضحية في الوقت ليلاً ونهاراً، والذبح في النهار أولى، ويوم العيد بعد الخطبتين أفضل، وكل يوم أفضل مما يليه؛ لما فيه من المبادرة إلى فعل الخير، وتُجزىء الأضحية الواحدة من الغنم عن الرجل وأهل بيته؛ وذلك لما أخرجه الإمام الترمذي في سننه بإسناد صحيح عن عُمَارَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِىَّ كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّى بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ فَصَارَتْ كَمَا تَرَى). قال الإمام الشوكاني رحمه الله: قوله " يُضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته ": فيه دليل على أن الشاة تجزئ عن أهل البيت؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم، والظاهر اطلاعه فلا ينكر عليهم، والحق أنها تجزئ عن أهل البيت ، وإن كانوا مئة نفس أو أكثر كما قضت بذلك السنة).(نيل الأوطار:5/137).
 ويُجزىء سُبع البعير أو سُبع البقر عما تجزىء عنه الواحدة من الغنم، فلو ضحى الرجل بسُبع بعير أو بقرة عنه وعن أهل بيته أجزأه ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم جعل سُبع البدنة والبقرة قائماً مقام الشاة في الهدي فكذلك يكون في الأضحية لعدم الفرق بينها وبين الهدي في هذا؛ وذلك لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: " نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة ".
ولا تُجزىء الواحدة من الغنم عن شخصين فأكثر يشتريانها فيضحيان بها؛ لعدم ورود ذلك في الكتاب والسنة، كما لا يجزىء أن يشترك ثمانية فأكثر في بعير أو بقرة؛ لأن العبادات توقيفية لا يجوز فيها تعدي المحدود كمية وكيفية، وهذا في غير الاشتراك في الثواب، فقد ورد التشريك فيه بدون حصر كما سبق.(أحكام الأضحية: لابن عثيمين صـ9).
وأفضل الأضحية الغنم ثم الإبل ثم البقر؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُضحي بالغنم بل بالكباش، ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين وأنا أضحي بكبشين) وفي ذلك ما يدل على المداومة، وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان رضي الله عنه قال:( ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا ثوبان أصلح لنا لحم هذه الشاة. فما زلت أطعمه منها حتى  قدمنا المدينة)، وأخرج الإمام الترمذي في سننه عن علي رضي الله عنه:( أنه كان يضحي بكبشين أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه. فقيل له. فقال : أمرني به يعني النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدعه أبداً).
وللمُضحي أن يأكل من أضحيته، ويهدي، ويتصدق لقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ}، ولما أخرجه البخاري في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «كلوا وأطعموا وادخروا»، والإطعام يشمل الهدية للأغنياء والصدقة على الفقراء.
وللأضحية آداب منها الإخلاص، فهو أساس قبول الأعمال، وهو إفراد الله تعالى بالقصد في الطاعات، وذلك بأن يكون مقصود المسلم منها هو إقامة وتعظيم وشعائر الله وليس الرياء والسمعة والعادة كما هو حال كثير من الناس قال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}(البينة:5)، وقال صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ "(رواه النسائي)، ومن آدابها: التسمية وذكر الله تعالى عند الذبح لقوله تعالى:{ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}(الأنعام:118)، ولما أخرجه البخاري في صحيحه عن رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال:« مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ»، فإن لم يذكر اسم الله تعالى عليها لم تحل لقوله تعالى:{ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}(الأنعام:121)، ومنها: الإحسان في الذبح بأن تكون الآلة حادة يمرها على محل الذبح بقوة وسرعة؛ وذلك لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ:«اثْنَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». فيه الإرشاد بالذبح بالآلة الحادة لترتاح الذبيحة وتزقق نفسها بسرعة.
 ومن آدابها: أن تكون الذكاة في الإبل نحراً، وفي غيرها ذبحاً فينحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فإن صعب عليه ذلك نحرها باركة، ويذبح غيرها على جنبها الأيسر، فإن كان الذابح أعسر يعمل بيده اليسرى ذبحها على الجنب الأيمن إن كان أريح للذبيحة وأمكن له، ويُسن أن يضع رجله على عنقها ليتمكن منها، وأما البروك عليها والإمساك بقوائمها فلا أصل له من السنة، وقد ذكر بعض العلماء أن من فوائد ترك الإمساك بالقوائم زيادة إنهار الدم بالحركة والاضطراب، ومن آدابها: أن يستر السكين عن البهيمة عند حدها فلا تراها إلا عند الذبح،(أحكام الأضحية: لابن عثيمين صـ25)، وذلك أن البهائم أبهم عنها كل شيء إلا أنها تعرف ربها وتخاف من الموت.

د/أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com


تذكير الأمة بفضائل عشر ذي الحجة



تذكير الأمة بفضائل عشر ذي الحجة
ورد في الأثر: ((إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة منها فلا يشقى بعدها أبدا)) فالله -جل وعلا- أعطانا مواسم عظيمة للخير والطاعات فيها يتزود المسلم بطاعة ربه -تبارك وتعالى-، وفيها تغفر الخطايا والزلات، وفيها تضاعف أجور الأعمال الصالحة، ومن هذه المواسم العظيمة وأبواب الخير التي ينبغي على كل مسلم أن يغتنمها في طاعة الله -عز وجل- والتزود من الخير، أيام العشر الأول من ذي الحجة، ومن فضائل هذه العشر في القرآن الكريم: أن الله - عز وجل - أقسم بها في كتابه العزيز:قال - تعالى -: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [سورة الفجر: 1-2].عن عكرمة في قول الله - تعالى -: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) قال: " الفجر الصبح، وليال عشر، عشر الأضحى، وعن قتادة في قوله - عز وجل -: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) قال: كنا نحدث أنها عشر الأضحى. [فضل عشر ذي الحجة: للطبراني صـ5)]، ومن فضائلها أنها الأيام المعلومات التي أمر الله -تعالى- فيه بذكره قال - تعالى -: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [سورة الحج: 27-28]، وقال - تعالى -: (وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ) [سورة البقرة: 203].عن الحسن قال: الأيام المعلومات عشر ذي الحجة والمعدودات أيام التشريق، وعن سعيد بن جبير قال: الأيام المعلومات أيام العشر، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: في أيام معلومات قال: العشر، وعن قتادة قال: الأيام المعلومات أيام العشر والأيام المعدودات أيام التشريق.[فضل عشر ذي الحجة: للطبراني صـ4)]، ومن فضائلها أنها من جملة الأيام التي واعدها الله لموسي - عليه السلام -قال - تعالى -: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [سورة الأعراف: 142] عن مجاهد في قول الله - تعالى -: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً) قال: ذو القعدة (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ من ذي الحجة)[فضل عشر ذي الحجة: للطبراني صـ5)]، ومن فضائلها أنها خاتمة أشهر الحج قال - تعالى -: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) [سورة البقرة: 197].
وأما عن فضائل العشر في السنة المطهرة فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر)) قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ولم رجع من ذلك بشيء)).
قال الإمام ابن رجب - رحمه الله -: "وقد دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده، وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل، وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها صار العمل فيه وإن كان مفضولاً أفضل من العمل في غيره و إن كان فاضلا"[لطائف المعارف: صـ365)]، وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وقد ثبتت الفضيلة لأيام العشر بهذا الحديث فثبتت بذلك الفضيلة لأيام التشريق. ثانيها: أن عشر ذي الحجة إنما شرف لوقوع أعمال الحج فيه وبقيه أعمال الحج تقع في أيام التشريق كالرمي والطواف وغير ذلك من تتماته فصارت مشتركة معها في أصل الفضل ولذلك اشتركت معها في مشروعية التكبير في كل منها.ثالثها: أن بعض أيام التشريق هو بعض أيام العشر وهو يوم العيد، وكما أنه خاتمة أيام العشر فهو مفتتح أيام التشريق فمهما ثبت لأيام العشر من الفضل شاركتها فيه أيام التشريق؛ لأن يوم العيد بعض كل منها بل هو رأس كل منها وشريفه وعظيمه وهو يوم الحج الأكبر. ثم قال -رحمه الله-: والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره [فتح الباري: 2/460 وما بعدها].
قال الإمام ابن رجب - رحمه الله -: فإن قيل: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام)) هل يقتضي تفضيل كل عمل صالح وقع في شيء من أيام العشر على جميع ما يقع في غيرها، وإن طالت مدته أم لا؟ قيل: الظاهر والله أعلم أن المراد أن العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها فكل عمل صالح يقع في هذا العشر فهو أفضل من عمل في عشرة فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها من أي شهر كان فيكون تفضيلاً للعمل في كل يوم منه على العمل في كل يوم من أيام السنة غيره.
وقد قيل: إنما يفضل العمل فيها على الجهاد إذا كان العمل فيها مستغرقاً لأيام العشر فيفضل على جهاد في عدد تلك الأيام من غير العشر و إن كان العمل مستغرقا لبعض أيام العشر فهو أفضل من جهاد في نظير ذلك الزمان من غير العشر و استدل على ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل العمل الدائم الذي لا يفتر من صيام و صلاة معادلاً للجهاد في أي وقت كان فإذا وقع ذلك العمل الدائم في العشر كان أفضل من الجهاد في مثل أيامه لفضل العشر وشرفه.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: أجده قال لا هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم و لا تفتر و تصوم و لا تفطر. قال: و من يستطيع ذلك)، ويدل على أن المراد تفضيله على جهاد في مثل أيامه خاصة: ما في صحيح ابن حبان عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة)) فقال رجل: يا رسول الله هو أفضل أم عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قال: ((هو أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله)) فلم يفضل العمل في العشر إلا على الجهاد في عدة أيام العشر لا مطلقاً [لطائف المعارف: صـ370 وما بعدها)]، وأخرج البزار و غيره عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أفضل أيام الدنيا أيام العشر)) قالوا: يا رسول الله ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: ((ولا مثلهن في سبيل الله إلا من عفر وجهه بالتراب))، وكان سعيد بن جبير-رحمه الله-: "إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه"[رواه الدارمي بإسناد حسن].
وقال الإمام ابن رجب -رحمه الله-: "لما كان الله -سبحانه- قد وضع في نفوس عباده المؤمنين حنينا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرا على مشاهدته كل عام، فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركا بين السائرين والقاعدين".
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان، أيهما أفضل؟ فأجاب: "أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة".
وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد تحت "التفضيل بين الأزمنة":"قلت: أما السؤال الأول فالصواب فيه أن يقال ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويدل عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فضلت باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي وعشر ذي الحجة إنما فضل باعتبار أيامه إذ فيه يوم النحر ويوم عرفة ويوم التروية"[زاد المعاد: 1/57)].
ومن فضائل هذه العشر أن فيها يوم عرفة، هذا اليوم العظيم الذي هو أفضل أيام العام، وقد بيّن لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فضله في أحاديث كثيرة منها صيام هذا اليوم لغير الحاج: وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صوم يوم عرفة فقال: ((يكفر السنة الماضية والباقية))، ومنها الإكثار من الدعاء في هذا اليوم: وذلك لما أخرجه الترمذي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))، ومنها أن يوم عرفة يوم العتق من النار، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟)). قال الإمام النووي - رحمه الله -: "هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك"، ومن فضائله أنه اليوم الذي أكمل الله - عز وجل - فيه الدين وأتم علينا فيه النعمة: وذلك لما أخرجه البخاري في صحيحه عن طارق بن شهاب قال: قال رجل من اليهود لعمر: يا أمير المؤمنين، لو أن علينا أنزلت هذه الآية: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) لأتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال عمر: "إني لأعلم أي يوم نزلت هذه الآية، نزلت يوم عرفة، في يوم الجمعة" ففي هذا اليوم أكمل الله دينه وأتم نعمته، فمن الواجب علينا أن نشكر الله على إتمام نعمته علينا والتقرب إليه بالفرائض والنوافل على ضوء ما جاء بالكتاب والسنة، ومنها  أنه يوم الحج الأكبر: فالوقوف بعرفة في هذا اليوم العظيم هو ركن الحج الأعظم، ولا تصح هذه الفريضة العظيمة بدونه، وذلك لما أخرجه ابن ماجة في سننه بسند صحيح عن بكير بن عطاء قال: سمعت عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو واقف بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال: ((الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر، ليلة جمع، فقد تم حجه، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخر، فلا إثم عليه، ثم أردف رجلا خلفه، فجعل ينادي بهن)).
ومن فضائل هذه العشر أن فيها يوم النحر: وهو يوم عيد الأضحى المبارك، وهو يوم عظيم بين لنا النبي -صلي الله عليه وسلم- وما فيه من الخير، ومنها: ما أخرجه البيقهي في السنن الكبرى عن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر وهو الذي يليه))، وأخرج الترمذي في سننه عن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: ((ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها لتأتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً)).
ثالثاً: من الأعمال المستحبة في هذه الأيام العشر: يستحب في هذه الأيام الإكثار من الأعمال الصالحة ومنها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من أيام أعظم عند الله - سبحانه -، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر))، ومن الأعمال الصالحة التي غفل عنها بعض الناس: قراءة القرآن وكثرة الصدقة، والإنفاق على المساكين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها، ومنها المحافظة على الصلاة: فيستحب التبكير إلى الفرائض والمسارعة إلى الصف الأول، والإكثار من النوافل، فإنها من أفضل القربات، وذلك لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان- رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة))، وهذا الحديث عام في كل وقت لا سيما في هذه الأوقات والأزمنة الفاضلة التي يضاعف فيها أجر وثواب العمل الصالح، وأخرج مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه -، قال: كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أو غير ذلك)) قلت: هو ذاك. قال: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود))، ومن الأعمال المستحبة في هذه الأيام العشر الصيام لدخوله في الأعمال الصالحة، فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر" [رواه الإمام احمد وأبو داود والنسائي]. قال الإمام النووي - رحمه الله - عن صوم أيام العشر: "انه مستحب استحبابا شديداً "، وقال - رحمه الله -: وثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه)) - يعني: العشر الأوائل من ذي الحجة - فيتأول قولها: لم يصم العشر، أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائما فيه، ولا يلزم عن ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر: الاثنين من الشهر والخميس"[ورواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد والنسائي، شرح النووي على مسلم: 8/71 وما بعدها)]، والصيام عبادة عظيمة دلنا عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة وبين أن صيام اليوم في سبيل الله ثوابه عظيم، فما بالنا بالصيام والتقرب إلى الله بهذه العبادة في هذه الأيام المباركة، ومن هذه الأحاديث ما أخرجه ابن ماجة في سننه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً))، وأخرج الترمذي في سننه عن أبي أمامة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ((من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض))، وأخرج النسائي في سننه عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من صام يوماً في سبيل الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام))، ومن الأعمال المستحبة في هذه الأيام  أداء الحج والعمرة فقد أخرج الإمام الترمذي في سننه عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة)). قال الإمام المناوي -رحمه الله-: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((تابعوا بين الحج والعمرة)) أي ائتوا بكل منهما عقب الآخر بحيث يظهر الاهتمام بهما وإن تخلل بينهما زمن قليل: (فإنهما ينفيان الفقر والذنوب) لخاصية علمها الشارع أو لان الغنى الأعظم هو الغني بطاعة الله (كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) مثل بذلك تحقيقاً للانتفاء (وليس للحجة المبرورة) أي المقبولة أو التي لا يشوبها إثم (ثواب إلا الجنة) أي لا يقتصر لصاحبها من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بد من دخوله الجنة [التيسير بشرح أحاديث الجامع الصغير: 1/798)].
وأخرج البخاري في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق خرج كيوم ولدته أمه))، ومن الأعمال المستحبة أيضاً التكبير والتهليل والتحميد، وذلك لما أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أيام أعظم ولا أحب إليه العمل فيهن عند الله من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)). قال الإمام البخاري- يرحمه الله -: " كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما- يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما"، وقال أيضاً: "وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل السوق حتى ترتج منى تكبيرا"، وكان ابن عمر- رضي الله عنهما-: يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعا.
والمستحب: الجهر بالتكبير للرجال لفعل عمر وابنه وأبي هريرة - رضي الله عنهما -، والنساء يكبرن ولكن تخفض الصوت، لما جاء" عن أم عطية - رضي الله عنها - قالت: " كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض، فيكن خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته "رواه البخاري ومسلم.
والتكبير نوعان مطلق ومقيد: جاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء: "يشرع في عيد الأضحى التكبير المطلق، والمقيد، فالتكبير المطلق في جميع الأوقات من أول دخول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق، وأما التكبير المقيد فيكون في أدبار الصلوات المفروضة من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وقد دل على مشروعية ذلك الإجماع، وفعل الصحابة - رضي الله عنهم - "[فتاوى اللجنة الدائمة: 8/312)].
ومن الأعمال المستحبة في هذه الأيام الأضحية: والأضحية من أفضل الأعمال التي يتقرب بها المسلم في يوم النحر، وأيام التشريق الثلاث، وذلك لما أخرجه الترمذي في سننه عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: ((ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها لتأتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً))، والأضحية سنة مؤكدة فعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحث على فعلها، وهي شعيرة عظيمة من شعائر الدين الإسلامي الحنيف، قال - تعالى -: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) [سورة الحج: 37]، وقال - تعالى -: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)[سورة النحر: 1-3]، وأخرج البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "ضَحَّى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا"، ويستحب لمن أراد أن يضحى أن ألا يأخذ من شعره وأظفاره شيئاً إذا دخلت العشر الأول من ذي الحجة حتى يضحى، وذلك لما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا)). قال الإمام النووي - رحمه الله -: والمراد بالنهى عن أخذ الظفر والشعر النهى عن إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره والمنع من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذه بنورة أو غير ذلك وسواء شعر الإبط والشارب والعانة والرأس وغير ذلك من شعور بدنه[شرح النووي على مسلم: 13/138 وما بعدها)].ثم قال -رحمه الله-: "والحكمة في النهى أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم قال أصحابنا: هذا غلط؛ لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس، وغير ذلك مما يتركه المحرم[شرح النووي على مسلم: 13/139)].
كانت هذه بعض فضائل هذه الأيام العشر الأول من ذي الحجة، وما يستحب في هذه الأيام المباركة من أعمال صالحة يتزود بها المسلم من طاعة ربه -تبارك وتعالى-.
نسأل الله -تعالى- أن يوفقنا وإياكم لاغتنام هذه الأيام المباركة في طاعته، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال اللهم آمين.



د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com