الاثنين، 8 فبراير 2016

التسامح الإسلامي وحاجة الأمة إليه



التسامح الإسلامي وحاجة الأمة إليه
من الخصائص العامة للشريعة الإسلامية أنها شريعة التسامح والرحمة بين المسلمين جميعاً، وبين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب الذين ليس بيننا وبينهم حرب، ورحمة وتسامح بين الإنس والحيوان، فالتسامح من ثوابت الدّين الإسلامي، الذي جاء ليُرسي دعائم السلام في الأرض من خلال دعوة أتباعه إلى تثبيت الاتصال وتقويته بينهم وبين أهل الكتاب على قاعدة دينية راسخة، وهى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله جميعا:(وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46).
     فمنهج الإسلام يقوم على التسامح والرفق واللين، والرقة والرحمة، ولا يقوم على العنف والشدة، كما يدعى أعداء الإسلام، يقول الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125).
ومن هنا وضع القرآن الكريم الأسس المبنية على التسامح في الدعوة إلى الله وتبليغ الإسلام للناس قال تعالى:(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(آل عمران:64)، هذا النموذج في عرض الرأي ينطوى على الاعتراف بالرأي الآخر، وأن المختلف له شرعيته، والتسليم بتعددية الرأي والفكر والثقافة والنظر، وأن هذه التعددية من نواميس الكون، ومن سنن الاجتماع، وهو ما مارسه المسلمون في الشورى ومن خلال مؤسسة أهل الحل والعقد وحق المعارضة البناءة، ومما يؤكد عظمة الإسلام وأنه بلغ في التسامح مبلغاً عظيماً قوله تعالى:( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(١)لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(٢) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) فهذا هو الإسلام وهذا ما يدعو إليه، فمن قَبِلَه كان منّا، وأما من لم يقبل بالإسلام فربما يكون بحاجة إلى توضيح وتبيين، وربما إلى حوار هادئ هادف ولهذا قال تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(العنكبوت:46) فنهى الله تعالى عن المجادلة بغير فهم وعلم من المجادل، وأمر أن تكون المجادلة بالتي هي أحسن في الخلق وحسن الحوار، وفى الرد بأدب رفيع يقصد به إظهار الحق وهداية الخلق على أساس من الإيمان بالله الواحد الأحد.
ويظهر التسامح جلياً في معاملة من لا يقبل بالدخول في الإسلام، فإنه لا يجبر على ذلك لقوله تعالى:(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(البقرة:256) أي لا يكره أحد على الدخول في دين الإسلام.
والعدل في المعاملة دون تمييز بسبب الدين من أعظم صور التسامح، وهذا ما أمر به ربنا جل وعلا في كتابه حيث قال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(النحل:90)، وهذه الآية عامة في جميع أنواع العدل، وفي آية أخرى خص الله تعالى العدل وأمر به حتى مع المخالفين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(المائدة:8)، فالمؤمن يراقب ربه جل وعلا، ويتحرى العدل مع جميع البشر، وقد نهى الله تعالى أن يتخذ المؤمن من كفر الكافر ذريعة لظلمه وعدم العدل معه .
وجاء القرآن الكريم بالتسامح بين بني البشر جميعاً بغض النظر عن لونهم وشكلهم وعلى اختلاف لغاتهم وقبائلهم فهم سواء من جهة الخلق، حيث قال جل وعلا: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( (الحجرات:13)، وكلمة (لتعارفوا) تفتح باب المعرفة الإنسانية على مصراعيه، ليعرف الناس بعضهم بعضاً، ويتقاربوا، ويفهم أحدهم الآخر، وفي مجال الإيمان )إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ( لا استعلاء بالجنس، ولا باللون، ولا بالعرق، ولا غطرسة ولا كبرياء، بل مساواة كاملة بين أبناء الإنسانية جميعاً، فالكل سواسية أمام الخالق العظيم لأنهم ينتمون إلى أصل واحد، ومصدر واحد، وبهذا التصور الإسلامي في النظرة البشرية يتعامل المسلم مع غيره من غير المسلمين، حيث تتجلى معاني التسامح فيما أمر به ربنا جل وعلا، ومن ذلك أمره سبحانه بالإحسان إلى الوالدين وإن كانا على غير الإسلام، يقول تعالى:( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)(لقمان:15). فهذه المعاملة للوالدين مع أنهما على غير الإسلام تعكس حقيقة التسامح الذي يأمرنا به ربنا جل وعلا لنؤكد للجميع أن هذا الدين دين الفطرة ودين الرحمة والسعادة لكل البشرية.
وجاءت الآيات تأمر المسلمين بالتسامح والعفو والصفح والرحمة بينهم وبين غيرهم من غير المسلمين، ومن ذلك نجد أمر ربنا جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:(فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(الزخرف:89)، وهذه الآية خطاب من الله سبحانه وتعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه في كل عصر، فأمره الله بالصفح وترك المؤاخذة، وهذا الأمر يشمل نهيه عن الانتقام والمؤاخذة، وقرن سبحانه وتعالى الصفح بقول سلام، والسلام هو الأمل المنشود الذي سعى إليه المسلمون عبر تاريخهم.
وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى التحلى بالتسامح في معاملاتهم كلها، مع المسلمين وغير المسلمين، فعن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنهما- أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «رحم اللّه رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» (رواه البخاري).
 وأمر المسلم أن يسمح ويتسامح حتى الله يسمح الله له، فعن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «اسمح يسمح لك» (رواه أحمد).
 ولم يقتصر في دعوته للأمة بالتسامح على الإرشاد بالكلام فحسب، بل ضرب أروع أمثله التسامح والحلم، ليعلم أصحابه والمؤمنين من بعده والعالم بأسره كيف يتسامح الإنسان مع أخيه الإنسان، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته ، ثم قال : مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه فضحك ، ثم " أمر له بعطاء" (رواه البخاري).
ولقد فاضت رحمته وسماحته البشر كلهم حتى وصلت إلى كل كائن حي  فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" بينا رجل بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها، فشرب ثم خرج ، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني ، فنزل البئر فملا خفه ماء، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له "، قالوا : يا رسول الله ، وإن لنا في البهائم لأجرا ؟ فقال:" في كل ذات كبد رطبة أجر" (رواه البخاري ومسلم).
فالمفهوم السليم للتسامح لا يعنى التفريط في الحقوق، فالحقوق مقدسة، والدفاع عنها واجب، والتمسك بها فريضة دينية، ومسؤولية وطنية، وكرامة إنسانية، وأن يكون التسامح مقترناً بالعدل، وهو تسامح التعايش والتساكن، وليس تسامح الإكراه والإذلال، وأؤكد هنا أن التطرف ليس فضيلة على الإطلاق، وليس هو المنهج الصائب في التعامل الإنساني، وهو دليل على ضيق الرؤية، والانفعال المرضي الضار بالمصالح المشروعة، والتطرف منهج مخالف للمنهجية الإسلامية، التي تدعو إلى الحوار البناء في إطار الدفاع عن الحق.
فما أحوج الأمة الآن للتسامح الإسلامي الذي دعانا إليه ربنا جل وعلا ونبينا صلى الله عليه وسلم مع المسلمين بعضهم البعض، ومع المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب الذين ليس بيننا وبينهم حرب، تسامح بين الأفراد والمجتمعات، تسامح من أجل الاجتماع والوحدة، ونبذ الخلاف والشقاق، تسامح وتعايش بالعدل الذي أمر به الإسلام. والله من وراء القصد.
د/أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق