الخميس، 10 أغسطس، 2017

الجمود الفقهي والحاجة للتجديد (3) د/ أحمد عرفة



الجمود الفقهي والحاجة للتجديد (3)
استكمالاً لما نشرناه في العددين السابقين نقول... ولا يغني وجود كتب المجتهدين الذين سبقوا عن وجود هذا المجتهد, ومن هذا قولهم بعدم جواز خلو عصر من مجتهد, والاجتهاد طبيعته مطلقة غير مقيدة بالاختيار من بين آراء الأقدمين, ولم يتركوا للمتأخرين شيئاً.
العنصر الثاني: تقديم اجتهادات في المسائل المستحدثة; لأنه النتيجة الحتمية لقاعدة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان عن كونه الدين الخاتم, وكونه للناس كافة, ولقاعدة إن النصوص متناهية, والأحداث غير متناهية.
العنصر الثالث: يتمثل في أمرين: الأول: ربط الأحكام بعضها ببعض, وربط الأحكام الجزئية بالمقاصد الكلية العامة للشريعة وللرسالة الإسلامية , فإن الإسلام كل لا يتجزأ; لأن الأحكام ترتبط بعضها ببعض، والثاني: ضرورة التوسع في مفهوم (الفقه) بحيث تعود إلي المفهوم اللغوي له أو نقترب منه , ونعني بالمفهوم اللغوي للفقه الاستعمال القرآني لكلمة (الفقه), حيث تطلق علي مجموع العقائد والأخلاق إلي جانب العمل والمعاملات , وحيثما نشأت العلوم وانقسمت اقتصر إطلاق كلمة (فقه) علي ما يتعلق بالأحكام العملية, وفي مرحلة تالية انقسمت المادة الفقهية المتعلقة بالأحكام العملية بدورها إلي قسمين: قسم بقي تحت عنوان (الفقه), وقسم آخر استقل بعنوان (السياسة الشرعية), وكان معيار هذا التقسيم هو الأدلة الشرعية نفسها, فإذا كانت الأدلة تعتمد علي النصوص بصورة غير مباشرة , فإنها تندرج تحت (السياسة الشرعية) وتحت مفهوم (السياسة الشرعية), يندرج ما نسميه الآن ب(القانون العام) كنظام الحكم والمسائل المتعلقة بالنواحي الاقتصادية والمالية, والعلاقات الدولية.
 ويقترح المؤلف هنا أن نعيد هذه الفروع مرة أخري إلي حظيرة الفقه, والصورة المقترحة بالنسبة إلي العقيدة هي ربطها بالأحكام, وبيان أثرها فيها. أما الصورة المقترحة بالنسبة للأخلاق والآداب الشرعية والمقاصد فإدخالها ضمن الفقه بشكل كلي وجزئي حسب الأحوال, أما بالنسبة إلي السياسة الشرعية, فتدخل ضمن الفقه وفقاً للتقسيمات الحديثة في القانون العام والاقتصاد.
العنصر الرابع: أن نوضح الأحكام الشرعية الضابطة لكل علم من العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية المعاصرة, سعياً إلي ربط هذه العلوم بمظلة الفقه.
وأما عن الملمح الثاني للتجديد الفقهي: فهو ما يتعلق بمصادر المادة الفقهية، فهناك مجموعتان من المصادر ينبغي الرجوع إليهما المجموعة الأولي تراثية حيث توجد مجموعات من المؤلفات التي تحمل عناوين متعددة مثل النوازل والفتاوى والأقضية, نادراً ما يرجع إليها الباحثون, وترجع أهمية هذه المؤلفات إلي اتصالها بالواقع أكثر مما تتصل به الكتابات الفقهية التقليدية.
والمجموعة الثانية: حديثة تتمثل في: 1- الكتب الفقهية المعاصرة سواء كانت لكبار الكتاب المعاصرين أو للأجيال الجديدة من طلاب الماجستير والدكتوراه الذين اختاروا موضوعات فقهية لبحوثهم , ومع الأسف فإن كثيراً من هذه البحوث لم يتم نشرها, وهذه البحوث محفوظة في مكتبات الجامعات, وينبغي الرجوع إليها; لأنها تسد ثغرات كبيرة في هذا المجال, ولمكانتها كمصادر في جسم المادة الفقهية.
2 - نأتي بعد ذلك إلي البحوث العلمية التي قدمت إلي مؤتمرات ندوات علمية أو نشرت في مجلات علمية محكمة, وينبغي الاستفادة منها في مشروعات التجديد الفقهي.
3 - يضاف إلي ما سبق من مصادر للمادة الفقهية المجامع الفقهية التي تعرضت في الآونة الأخيرة للكثير من المسائل المستحدثة, تصلح لأن تكون مصدراً من مصادر المادة الفقهية, ويعدها البعض صورة من صور الاجتهاد الجماعي. وللحديث بقية إن شاء الله مع استكمال هذه الملامح المنشودة للتجديد الفقهي. والله المستعان.
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
 Ahmedarafa11@yahoo.com
نشر هذا المقال بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 8/ 8/ 2017م

الجمود الفقهي والحاجة للتجديد (2) د/ أحمد عرفة

الجمود الفقهي والحاجة للتجديد (2)
في المقال السابق بينت خطورة الجمود الفقهي على مجرد النصوص الشرعية وإغفال جانب التعايش مع روح النص وفهمه فهماً صحيحاً في ضوء المقاصد الشرعية حسب مقتضيات العصر، ومراعاة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، وفي هذا المقال نستكمل ما بدأناه فنقول: من الدراسات الحديثة التي تناولت معالم التجديد الفقهي دراسة للدكتور/ مسعود صبري بعنوان (معالم منهجية في تجديد خطاب الفقه وأصوله) وفيها بيّن أن التجديد الفقهي يمثل جزءاً من التجديد الديني، لأن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأدلة التفصيلية، وهو أيضاً يمثل جزءاً من خطاب الله تعالى لعباده المكلفين، بما يشمل ذلك الخطاب الخاص للإنسان، أو الخطاب العام للجماعة المسلمة والمجتمع، والتجديد الفقهي عملية متشابكة، تشمل: المحتوى الفقهي، وطرق العرض، ومنهج التناول، وهي أيضاً تشمل التراث الفقهي بتنوعاته، كما يشمل أيضاً المنهج الأصولي المتعلق به.
ومن أبرز الفقهاء والمفكرين المعاصرين الذين تناولوا قضية التجديد الفقهي بالبحث والدراسة والتطبيق الأستاذ الدكتور/ جمال الدين عطية-رحمه الله- حيث بيّن في دراسته عن تجديد الفقه الإسلامي التي نشرتها دار الفكر بدمشق أن الدعوة لتجديد الفقه الإسلامي ليست جديدة فقد سبقه إلى ذلك كثير من العلماء والباحثين، وأشار إلى أن التجديد ينتاول أشكالاً مختلفة منها تجديد يتعلق بالشكل وتجديد يتعلق بالموضوع، ويمكن أن يقوم التجديد علي أساس منهجي, كما يمكن أن يكون غير قائم علي منهج، ويمكن أن نقسم التجديد الموضوعي القائم علي منهج معين إلي نوعين:
الأول: هو التجديد الذي يأتي من خارج النسق الإسلامي، الثاني: هو التجديد الذي يأتي من داخل النسق الإسلامي، ومن أمثلة النوع الأول: ما نقرؤه لبعض الكتاب الذين يحاولون إسقاط نظريات غربية حديثة علي الإسلام, ولكن التجديد يجب أن يأتي من داخل النسق الإسلامي، والتجديد مطلوب في موضوعين أساسيين وهما: الفقه, وأصول الفقه, وأن العلاقة بين التجديد في الفقه وبين التجديد في أصول الفقه علاقة وثيقة, فالتجديد في الفقه يقوم علي التجديد في أصول الفقه.
ثم ذكر –رحمه الله- أن للتجديد الفقهي المنشود العديد من الملامح التي ينبغي على المتخصصين في هذا المجال أن يسيروا عليها، وأن يتم تفعليها في الدراسات الفقهية والأصولية، وبيّن أن الملح الأول للتجديد المنشود يتمثل في أربعة عناصر:
العنصر الأول: تقديم اجتهادات جديدة في المسائل القديمة بما يتفق مع تغير الظروف الزمانية والمكانية, وهذا أحدث كثيراً في تاريخ الفقه الإسلامي, فالاجتهاد حركة دائمة مستمرة والآراء الاجتهادية أيا كانت منزلة أصحابها من الفقهاء لا يجوز إسباغ صفة الثبات عليها, فالثبات لنصوص الكتاب والسنة دون غيرهما, أما الاجتهاد فينبغي أن يساير الواقع المتغير دوماً حتى يحقق مقاصد الشريعة, فأما تجميده واقتصار الدراسات الفقهية علي نقل أقوال السابقين وحفظها وتكرارها, فهو من أهم أسباب توقف النمو في حياة الأمة الفكرية عموماً والفقهية خاصة, والاجتهاد من فروض الكفاية - أي من واجبات الأمة أن يكون فيها دائماً مجتهدون يقومون بهذه الفريضة .
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com
نشر هذا المقال بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 1/8/2017م.

الجمود الفقهي والحاجة للتجديد د/ أحمد عرفة



الجمود الفقهي والحاجة للتجديد
إنَّ الناظرَ على الساحة الفقهية -اليوم بين المشتغلين بالفقه الإسلامي والمتصدرين للفتوى- يجدُ أنَّ حالَ الكثير من هؤلاء: إما الجمودُ على مجرد المنقول في الكتب وعلى النصوص الشرعية نقلاً حرفياً، دون إعمال للعقل في فهم النص، ومراعاة تغير الفتوى وتغير الاجتهاد حسب مقتضيات العصر، وقد سماهم بعضُ المعاصرين بالظاهرية الجدد؛ لأنهم يأخذون بظواهر النصوص دون التأمل في معانيها وعللها ومقاصدها، ويَتَّهَمُون الرأي، ولا يرَون استخدامَه في فَهْمِ النصوص وتعليلها، وقد حَذَّر من ذلك الإمامُ ابن القيم –رحمه الله- فقال: "لا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك، قالوا: فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين"، وقال أيضاً: "ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان" (إعلام الموقعين 3/78).
وعلى الجانب الآخر تجدُ على النقيض من هؤلاء فريقًا آخرَ يزعم بدعوى التجديد والتيسير على الناس أنَّه يريدُ الأنفعَ والأصلحَ لهم فتجدُه يجتهد دون ضوابط وفَهْمٍ صحيح للنص الشرعي وآليات علمية؛ فيفسد من حيث يريد الإصلاح، ويحدث من جراء تسيب وانفلات في الفتوى وربما يخرج بعضهم بكثير من الفتوى الشاذة والنقول غير المعتمدة في المذاهب الفقهية، أو بفهم معوج للأدلة الشرعية، وهذا ما نرفضه ولا نؤيده؛ لأنه ربما ترتب عليه جناية على النص الشرعي والطعن في ثوابت الشرع.
 وما نريده هنا ونؤكد عليه هو: أننا في حاجة إلى اجتهادٍ فقهي يناسبُ العصر بالفهم المنضبط للأدلة الشرعية وكيفية التعامل معها حسب ما قرره الأئمة المجتهدون في علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة يراعي مقاصد الشريعة والنظر في علل الأحكام، والخروج باجتهاد فقهي منضبط يناسب العصر والواقع فالفتوى تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والعادة، فيراعي عرف وعادة كل بلد، وأيضاً طبيعة السائل وأنَّ لكل سائل سؤاله وفتواه الخاصة به، وكذلك في الفتاوى المؤسسية كمؤسسات الزكاة مثلاً، وبين الفتاوى الفردية لفرد أو لشخص بعينه. وقد جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام المادة (39): "إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة; لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس، وبناء على هذا التغير يتبدل أيضا العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام".
ومن روائع الكتابات المتخصصة التي تناولت هذا الجانب بالتفصيل والبيان كتاب العلامة ابن القيم –رحمه الله- إعلام الموقعين عن رب العالمين الذي يحتاج أن يقرأه ويتأمله جيداً كل متخصص في العلوم الشرعية بصفة عامة والفقيه والمتصدر للفتوى بصفة خاصة، وانظر وتأمل ما قاله-رحمه الله- بعد أن ذكر أن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والعوائد والأحوال، ما نصه: "هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها". ثم يقول: " فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ص - أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي به اهتدى المهتدون..."(إعلام الموقعين 3/3).
فما أحوجنا إلى فقهٍ يُكتبُ بلغةٍ تناسبُ العصر، يَفهمه العامي والمتعلم، لا أنْ نجمد على مجرد المنقول في الكتب من سنين، وهذه مسئولية كبرى على عاتق المتخصصين في الفقه الإسلامي فهناك مسائل كثيرة في أبواب الفقه تحتاج إلى اجتهاد جديد يناسب العصر. والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية

نشر هذا المقال بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 18/7/2017م

الجمعة، 21 يوليو، 2017

المسجد الأقصى ومكانته د/ أحمد عرفة


المسجد الأقصى ومكانته

  في ظل هذه الهجمات الشرسة التي يتعرض لها المسجد الأقصى بين الحين والآخر، كان من الواجب على المسلمين جميعاً أن يتعرفوا على مكانته ومنزلته؛ ليقدروه ويعظموه، كما عظمه الأنبياء والصالحون من قبل.

    فسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام لما نزلت به الوفاة سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر, وذلك فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر". فهذا كليم الله موسى عليه السلام يسأل ربه عند الموت أن يدنيه من الأرض المقدسة لشرفها وبركتها، وهاجر إليه الخليل إبراهيم ولوط عليهما السلام، وذلك كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون هجرة بعد هجرة ، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم ، تقذرهم نفس الله ، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير"، ومهاجر إبراهيم عليه السلام تعدل مهاجر نبينا صلى الله عليه وسلم، ولما نجى الله إبراهيم ولوطاً وجههما إلى فلسطين من أرض الشام ليقيما عليها ويستقرا بها، وفيها توفي الخليل عليه السلام، ودفن في مدينة الخليل من أرض فلسطين، فلله درها من أرض وطئتها أقدام الخليل إبراهيم عليه السلام، وفيها مثواه وقبره.(واقدساه: للعفاني 1/112).

     وبالقدس عاش من اصطفاهم الله..عاش آل عمران الأبرار، عاشت أم مريم الخاشعة التي تنذر ما في بطنها لربها وتعيذها وذريتها من الشيطان وتأتي ابنتها البتول مريم عليها السلام كاملة في عبادتها وذكرها وتوكلها على الله عز وجل قال تعالى:(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)(آل عمران:37)، وهنا عاش زكريا عليه السلام وملأ الدنيا عبادة وتضرعاً ودعاء ومسارعة في الخيرات. (واقدساه 1/119).

     وأرض بيت المقدس هي أرض المنادي من الملائكة نداء الصيحة لاجتماع الخلائق يوم القيامة كما قال سبحانه: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ) (سورة ق:41). قال قتادة وغيره: كنا نحدَّث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة, وهي أوسط الأرض، وقال الإمام الطبري رحمه الله: واستمع يا محمد صيحة يوم القيامة يوم ينادي بها منادينا من موضع قريب وذكر أنه ينادي بها من صخرة بيت المقدس. (تفسير الطبري 11/114). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ودلّت الدلائل المذكورة على أن (ملك النبوة) بالشام والحشر إليها, فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر، وهناك يُحشر الخلق، والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام, كما أن مكة أفضل من بيت المقدس, فأول الأمة خيرٌ من آخرها، كما أن في آخر الزمان يعود الأمر إلى الشام, كما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى".(مجموع الفتاوى 27/44).

   وللمسجد الأقصى المبارك أهميةً خاصةً ومكانةً عظيمةً،  في نفوس المسلمين، فهو ثاني مسجد بني في الأرض، وذلك لما أخرجه أبو داود في سننه بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول ؟ قال:" المسجد الحرام" قال قلت: ثم أي ؟ قال: " ثم المسجد الأقصى " قلت : كم بينهما ؟ قال: " أربعون عاماً ، ثم الأرض لك مصلى ، فصل حيث ما أدركتك الصلاة "، والصلاة فيه وإتيانه بقصد العبادة تكفر الخطايا والذنوب، وقد بيّن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ماجة في سننه بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه, وملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده, و ألاّ يأتي هذا المسجدَ أحدٌ لا يريد إلاّ الصلاة فيه إلاّ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما اثنتان فقد أعطيهما, وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة)، ولأجل هذا الحديث كان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي من الحجاز, فيدخل فيصلي فيه, ثم يخرج ولا يشرب فيه ماء مبالغةً منه لتمحيص نية الصلاة دون غيرها, لتصيبه دعوة سليمان عليه السلام. (مجموع الفتاوى 27/258).

وقد صلى المسلمون إليه في بداية الأمر نحو سبعة عشر شهراً قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة بمكة المكرمة ويتخذوها قبلتهم قال تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}[البقرة: 144]، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا ثم صرف إلى الكعبة".

    وارتبطت مكانة المسجد الأقصى في نفوس المسلمين رباطاً وثيقاً بحادثة الإسراء والمعراج، تلك المعجزة التي اختص بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث أُسري به ليلاً من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بفلسطين قال تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1]، وفيه صلى بالأنبياء مما يدل على كثرة بركاته حتى إنها لتفيض على ما حوله، ولا تقتصر عليه فقط، كما أشارت الآية: "باركنا حوله" وليس فيه، والمتأمل في هذه الآية يجد أن المولى سبحانه وتعالى قد وصف بيت المقدس ومسجده بالبركة وهي النماء والزيادة في الخيرات والمنح والهبات.

والأقصى هو مبدأ معراج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء، وذلك لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتيت بالبراق فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربـطـته بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم عـرج بي إلى السماء". فقد كان الله تعالى قادراً على أن يبدأ رحلة المعراج برسوله من المسجد الحرام بمكة، ولكنه سبحانه اختار الأقصى لذلك ليثبت مكانته في قلوب المسلمين، كبوابة الأرض إلى السماء، والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، إلى محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعاً، وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله ، واشتمال رسالته على هذه المقدسات ، وارتباط رسالته بها جميعاً. فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان؛ وتشمل آماداً وآفاقاً أوسع من الزمان والمكان؛ وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى.(في ظلال القرآن 15/12).

    ووصف القرآن الكريم أرض بيت المقدس بالرَّبوة ذات الخصوبة وهي أحسن ما يكون فيه النبات, وماءها بالمعين الجاري قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)(سورة المؤمنون:50). قال الضحاك وقتادة: وهو بيت المقدس، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: الزموا هذه الربوة من فلسطين؛ فإنها الربوة التي قال الله تعالى:(وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ).(تفسير الطبري 9/27).

   وقد ربطتِ الرسالة المُحَمَّدية بين مكانة كلٍّ منَ المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة والمسجد الأقصى بالقُدس المشرفة، وذلك فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:(لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) فالشارع ينهي عن السفر إلى أي مكان مسجداً كان أو غيره لقصد العبادة ما عدا المساجد الثلاثة المستثناة في أسلوب الحصر.

   قال الإمام القرطبي رحمه الله: وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد لهذا قال العلماء: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا برحلة وراحلة فلا يفعل ويصلي في مسجده إلا في الثلاثة المساجد المذكورة فإنه من نذر صلاة فيها خرج إليها وقد قال مالك وجماعة من أهل العلم فيمن نذر رباطا في ثغر يسده : فإنه يلزمه الوفاء حيث كان الرباط لأنه طاعة لله عز وجل.(تفسير القرطبي 10/211)، وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم ثواب الصلاة فيه، وما فيها من الأجر العظيم والثواب  الجزيل فيما أخرجه البزار في مسنده بسند حسن عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة, والصلاة بمسجدي بألف صلاة, والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)، ومدح مصلى المسجد الأقصى، وأن ثواب الصلاة فيه مضاعف، وذلك فيما أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي ذر رضي الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل: أمسجد رسول الله أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاةٌ في مسجدي أفضل من أربع صلواتٍ فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خيرٌ له من الدنيا جميعا، قال: أو قال: خيرٌ له من الدنيا وما فيها).

   وبيّن صلوات الله عليه وسلامه ثبات أهل بيت المقدس عند حلول الفتن، وذلك فيما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي, فظننت أنه مذهوب به, فأتبعته بصري, فعمد به إلى الشام, ألا وإن الإيمان حيث تقع الفتن بالشام)، والمعنى أن الفتن إذا وقعت في الدين كان أهل الشام برآء من ذلك ثابتين على الإيمان، وإن وقعت في غير الدين كان أهل الشام عاملين بموجب الإيمان ومقتضاه

وأرض بيت المقدس هي حاضرة الخلافة الإسلامية في آخر الزمان، وقد بيّن لنا ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه عن أبي حوالة الأزدي رضي الله عنه قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي أو على هامتي ثم قال: (يا ابن حوالة: إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة, فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك).

وأخبرنا أن المقاتلون في سبيل الله على أرض بيت المقدس هم الطائفة المنصورة، ذلك فيما أخرجه ابن ماجة في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:" لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ دِمَشْقَ ، وَمَا حَوْلَهُ ، وَعَلَى أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ ، لا يَضُرُّهُمْ خِذْلانُ مَنْ خَذَلَهُمْ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ".

   ومن لم يستطع زيارته فليرسل زيتاً يضاء به وليدعم صموده وبقاءه شامخاً ضد مخططات اليهود، وذلك لما أخرجه ابن ماجة في سننه بسند صحيح عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: " أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ " ، قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ، قَالَ: " فَتُهْدِي لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ "، وهذه الأحاديث وغيرها تُؤَكِّد مكانة المسجد الأقصى في الإسلام، وتؤصل مسؤولية المسلمين عنه حماية ورعاية وصيانة، وأنه لا يجوز لهم شرعًا التفريط فيه، أو التَّهاون في حمايته واسترجاعه ممن سلبه منهم، وأنه يجب على جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها نصرته بكل ما يستطيعون من وسائل على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول والحكومات بالنفس والمال.

د/أحمد عرفة

باحث دكتوراه بجامعة الأزهر

عضو الجمعية الفقهية السعودية

Ahmedarafa11@yahoo.com

الأربعاء، 12 يوليو، 2017

مكتبة مقترحة للمبتدئين في العلوم الشرعية د/ أحمد عرفة

مكتبة للمبتدئين في العلوم الشرعية
التفسير وعلوم القرآن
تفسير السعدي –تيسير الكريم الرحمن- عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
تفسير ابن كثير.
تفسير القرطبي.
أحكام القرآن لابن العربي
أحكام القرآن للجصاص
تفسير آيات الأحكام – محمد علي الصابوني.
تفسير آيات الأحكام – محمد علي السايس.
مباحث في علوم القرآن – مناع القطان.
الحديث
الأربعين النووية
جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي
الترغيب والترهيب للحافظ المنذري
رياض الصالحين للنووي
شرح رياض الصالحين لابن عثيمين
صحيح البخاري وشرحه فتح الباري لابن حجر العسقلاني
صحيح مسلم وشرحه للإمام النووي.
نيل الأوطار للشوكاني.
سبل السلام للصنعاني.
الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث لابن كثير.
تيسير مصطلح الحديث – د/ محمود الطحان.
المنظومة البيقونية وشرحها لابن عثيمين.
العقيدة
200 سؤال وجواب في العقيدة – حافظ حكمي-
معارج القبول –حافظ حكمي.
العقيدة الطحاوية وشرحها لابن أبي العز الحنفي.
الفقه
الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز – عبد العظيم بدوي.
فقه السنة- سيد سابق
الفقه الواضح –محمد بكر إسماعيل
الفقه الإسلامي وأدلته – وهبة الزحيلي
المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية – عبد الكريم زيدان
أصول الفقه
الوجيز في أصول الفقه – عبد الكريم زيدان
الواضح في أصول الفقه – عمر سليمان الأشقر
إرشاد الفحول في علم الأصول – للشوكاني
الموافقات في أصول الشريعة – للشاطبي
إعلام الموقعين- لابن القيم
السيرة النبوية
الرحيق المختوم للمباركفوري
السيرة النبوية على محمد الصلابي
سيرة ابن هشام
السيرة النبوية لابن كثير
الزهد والرقائق
إحياء علوم الدين للغزالي
البحر الرائق في الزهد والرقائق أحمد فريد
كتب الإمام ابن القيم – كتب الإمام ابن الجوزي.

الجمود الفقهي والحاجة للتجديد (3) د/ أحمد عرفة

الجمود الفقهي والحاجة للتجديد (3) استكمالاً لما نشرناه في العددين السابقين نقول... ولا يغني وجود كتب المجتهدين الذين سبقوا عن وجود ه...