الأربعاء، 25 يناير 2017

ولا يغتب بعضكم بعضا (1) د/ أحمد عرفة


ولا يغتب بعضكم بعضا (1)
إن المتأمل في نعم الله تعالى على عباده يجد أنها لا تعد ولا تحصى نعم ظاهرة ونعم باطنه، ومن هذه النعم نعمة اللسان فاللسان هو أداة التعبير والخطاب والبيان، وهو مع صغر حجمه إلا أنه عظيم طاعته وجرمه، فربما بكلمة يرضى عنك الرحمن، وبكلمة يسخط عليك، ومن آفات اللسان التي كثرت وانتشرت انتشار النار في الهشيم الغيبة هذا الداء العضال الذي صار كثير من الأفراد والمجتمعات تعاني منه، والغيبة كما ذكر العلماء أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواه ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه حتى في ثوبه وداره ودابته.(الإحياء 3/144).
 وقد حذرنا ربنا جل وعلا منها بقوله:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (سورة الحجرات :12). يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعض ذلك يكون إثماً محضاً، فليتجنب كثير منه احتياطا.ً(تفسير ابن كثير : جـ4صـ256)، وعن ابن عباس رضى الله عنهما قوله:(وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) قال: حرّم الله على المؤمن أن يغتاب المؤمن بشيء، كما حرّم المَيْتة، وعن قتادة رحمه الله:( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) يقول: كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، فكذلك فاكره غيبته وهو حيّ.(تفسير الطبري : جـ22صـ307).
وحذرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من الغيبة ويبين لنا عظيم خطرها وضررها على الإنسان المسلم في الدنيا وفى الآخرة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: "ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيراً"(رواه ابن ماجة)، وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولاتحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً"، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"(رواه الترمذي).
وبيّن لنا حد الغيبة فيما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: اللّه ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل:أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه فقد بهتّه".
 قال الإمام النووي رحمه الله: " اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشاراً في الناس حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس وذكرك أخاك بما يكره عام سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو ولده أو والده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو مشيه وحركته وبشاشته وعبوسته وطلاقته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته بلفظك أو كتابك أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك ونحو ذلك ، وضابطه: أن كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة ، ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعرجاً أو مطأطأ أو على غير ذلك من الهيئات مريداً حكاية هيئة من ينقصه بذلك".(الأذكار 382).
وربما نجد الكثير من الناس اليوم ربما يستهين بكلمة، ويقول هذه كلمة بسيطة، ويظن أنه لن يحاسب عليها أو أنها ليست ذنباً كبيراً، وربما هذه كبيرة من الكبائر قد تؤدي به إلى الخلود في النار والعياذ بالله إن لم يتب منها، ولنتأمل في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم حسبك من صفية كذا وكذا. قال غير مسدد: تعني قصيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته" قالت: وحكيت له إنساناً فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أحب أني حكيت إنساناً وإن لي كذا وكذا"(رواه أبو داود). فيه أن هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله مع كثرته وغزارته فكيف بأعمال نزرة خلطت بها.(تحفة الأحوذى 7/177).
وأن من الشر تحقير المسلم لأخاه المسلم، وربما يكون أفضل عند الله تعالى منه فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" ( رواه أبو داود).
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته حتى يفضحه في جوف بيته، ومن ذلك ما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي برزة الأسلميّ- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبّعوا عوراتهم، فإنّه من اتّبع عوراتهم يتّبع اللّه عورته، ومن يتّبع اللّه عورته يفضحه في بيته».
وقوله: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه) فيه تنبيه على أن غيبة المسلم من شعار المنافق لا المؤمن (ولا تتبعوا عوراتهم) أي لا تجسسوا عيوبهم ومساويهم (فإنه) أي الشأن (يتبع الله عورته) ذكره على سبيل المشاكلة أي يكشف عيوبه وهذا في الآخرة ، وقيل: معناه يجازيه بسوء صنيعه (يفضحه) من فضح كمنع أي يكشف مساويه (في بيته) أي ولو كان في بيته مخفياً من الناس.(عون المعبود 13/153).
وكتب سلمان إلى أبي الدرداء رضي الله عنه: أما بعد: فإني أوصيك بذكر الله عز وجل ؛ فإنه دواء ، وأنهاك عن ذكر الناس؛ فإنه داء، وعن عون بن عبد الله قال : ما أحسب أحدا تفرغ لعيوب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه، وقال بكر بن عبد الله المزني: إذا رأيتم الرجل مولعاً بعيوب الناس ناسياً لعيبه فاعلموا أنه قد مُكر به.( ذم الغيبة والنميمة، لابن أبي الدنيا صـ60-70).
وقال الحسن: «ذكر الغير ثلاثة: الغيبة، والبهتان، والإفك، وكلّ في كتاب اللّه فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفك أن تقول ما بلغك.(الإحياء 3/144)، وقال- رحمه اللّه-:واللّه للغيبة أسرع في دين الرّجل من الأكلة في الجسد.
فما أحوجنا للتوبة من هذه الكبيرة التي ربما تؤدي بصاحبها للخلود في النار إلا لم يتب منها، وأن يحرص المسلم على لسانه وعلى ما يتكلم به، وأن يذكر عيوبه قبل أن يُشغل نفسه بعيوب الآخرين ففي الانشغال بها دعوة للتهذيب والإصلاح للفرد والمجتمع، وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحبه ويرضاه وغفر لنا ولكم اللهم آمين.
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com
مقال منشور بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 16/ 8/ 2016م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق