الأربعاء، 25 يناير 2017

ولا يغتب بعضكم بعضا (2) د/ أحمد عرفة



ولا يغتب بعضكم بعضا (2)
في المقال السابق بينت خطورة الغيبة في الكتاب والسنة وأثرها على الفرد والمجتمع، وحد الغيبة كما ذكره العلماء أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواه ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه حتى في ثوبه وداره ودابته، ولكن مع أن الغيبة حرام وكبيرة مت الكبائر كما أوضحنا إلا أنه هناك مواضع تباح فيها، وفي ذلك يقول الإمام النووي رحمه الله:" اعلم أن الغيبة وإن كانت محرمة فإنها تباح فى أحوال للمصلحة ، والمجوز لها غرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو أحد ستة أسباب:
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو له قدرة على إنصافه من ظالمه، فيذكر أن فلانا ظلمني، وفعل بي كذا، وأخذ لي كذا، ونحو ذلك.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب ، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره عنه ، ونحو ذلك ، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر ، فإن لم يقصد ذلك كان حراماً.
الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني، أبي أو أخي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك، أم لا ؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم عني ؟ ونحو ذلك.
وكذلك قوله: زوجتي تفعل معي كذا، أو زوجي يفعل كذا ، ونحو ذلك ، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط أن يقول: ما تقول في رجل كان من أمره كذا، أو في زوج أو زوجة تفعل كذا، ونحو ذلك، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين ، ومع ذلك فالتعيين جائز، لحديث هند الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، وقولها:" يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح.." الحديث ، ولم ينهها رسول الله.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة للحديث والشهود ، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة.
ومنها: ما استشارك إنسان في مصاهرته، أو مشاركته، أو إيداعه، أو الإيداع عنده، أو معاملته بغير ذلك، وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه منه على جهة النصيحة، فإن حصل الغرض بمجرد قولك لا تصلح لك معاملته، أو مصاهرته، أو لا تفعل هذا، أو نحو ذلك، لم تجز الزيادة بذكر المساوئ وإن لم يحصل الغرض إلا بالتصريح بعينه فاذكره بصريحه.
ومنها: إذا رأيت من يشتري عبدا معروف بالسرقة أو الزنا أو الشرب أو غيرها، فعليك أن تبين ذلك للمشتري إن لم يكن عالماً به، ولا يختص بذلك، بل كل من علم بالسلعة المبيعة عيباً وجب عليه بيانه للمشتري إذا لم يعلمه.
ومنها: إذا رأيت متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم خفت أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليك نصيحته ببيان حاله، ويشترط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، أو يلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة وشفقة، فليتفطن لذلك.
ومنها أن لا يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحا لها ، وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله ويولي من يصلح أو يعلم ذلك منه لتعامله بمقتضى حاله ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به.
الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر، أو مصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلماً، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب: كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأعمى، والأحول، والأفطس، وغيرهم، جاز تعريفه بذلك بنية التعريف، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى.(الأذكار، صـ429-431).
وللغيبة كفارة، وهي كما بينها الإمام النووي رحمه الله بقوله:" اعلم أن كل من ارتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة منها، والتوبة من حقوق الله تعالى يشترط فيها ثلاثة أشياء:
أن يقلع عن المعصية في الحال، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم ألا يعود إليها، والتوبة من حقوق الآدميين يشترط فيها هذه الثلاثة، ورابع: وهو رد الظلامة إلى صاحبها أو طلب عفوه عنها والإبراء منها، فيجب على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة، لان الغيبة حق آدمي، ولا بد من استحلاله من اغتابه، وهل يكفيه أن يقول: قد اغتبتك فاجعلني في حل، أم لا بد أن يبين ما اغتابه به ؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي: أحدهما يشترط بيانه، فإن أبرأه من غير بيانه، لم يصح ، كما لو أبرأه عن مال مجهول، والثاني لا يشترط ، لأن هذا مما يتسامح فيه، فلا يشترط علمه، بخلاف المال، والأول أظهر، لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة، فإن كان صاحب الغيبة ميتا أو غائبا فقد تعذر تحصيل البراءة منها، لكن قال العلماء: ينبغي أن يكثر من الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات.
واعلم أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه منها ولا يجب عليه ذلك لأنه تبرع وإسقاط حق ، فكان إلى خيرته، ولكن يستحب له استحباباً متأكدا الإبراء ليخلص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية ، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[ آل عمران: 134 ] وطريقه في تطبيب نفسه بالعفو أن يذكر نفسه أن هذا الأمر قد وقع ، ولا سبيل إلى رفعه، فلا ينبغي أن أفوت ثوابه وخلاص أخي المسلم، وقد قال الله تعالى:( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)[ الشورى: 43 ].(الأذكار صـ436).
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا آتنا في الدنيا وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل
                                                                                        
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com
مقال منشور بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 18/10/2016م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق