الجمعة، 30 سبتمبر 2016

كتاب قرأناه لك الدولة المدنية بين الإسلام والغرب للأستاذ الدكتور/ محمد الشحات الجندي . إعداد/ د/ أحمد عرفة



كتاب قرأناه لك
الدولة المدنية بين الإسلام والغرب
للأستاذ الدكتور/ محمد الشحات الجندي
يقع الكتاب في 336 صفحة طبعة وزارة الثقافة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى سنة 2011م.
يتناول الكتاب قضايا الدولة المدنية والدولة الدينية، والتي بات طرحها ومعالجتها في الوقت الراهن أمراً في غاية الأهمية. في ظل أحداث خانقة يتسارع إيقاعها ويتعاظم أثرها في الشأن الداخلي وفي المنطقة العربية والإسلامية بأسرها.
يذكر المؤلف في المقدمة سبب تأليفه للكتاب فيقول:( دفعني إلى الكتابة في موضوع الدولة المدنية ما أحمله من انتماء للدين والوطن والأمة، يملك عليَّ كياني، ويشغل اهتمامي بغير حدود، وهو الشاغل والهام الذي لا يعلو عليه شاغل آخر ولا هم يماثله، وحسبي أن الاهتمام بأمر الإٍسلام والوطن، يشكلان صمام الشخصية المتوازنة الواثقة، والريادة في العالمين وبين الأوطان وهما مظهر لصلاح وإصلاح الحاضر، والأمل الناهض في المستقبل.
ثم يقول: ولكون الدولة المدنية أًصبحت مطلباً ملحاً للأخوة الدينية والوطنية، ولحق الله والأرض التي هي منبع النشأة الأولى، وحفظاً لهما معاً، وجدتُ لزاماً أن أتناول الموضوع الذي أثير حول اللغط والمزايدة بما لا يجوز عند العقلاء والغيورين على حماية المقدس من العبث به والنيل منه، وهو الشأن في الوطن والدين، فكلاهما عطاء من عند الله مالك الملكوت).
قسم المؤلف الكتاب إلى مقدمة وبابين وخاتمة، وجعل الباب الأول بعنوان: الدولة بين الدين والسياسة، وقسمه إلى ثلاثة فصول.
 أما الفصل الأول فقد تحدث فيه عن إطلالة على الأديان وأيدولوجية الغرب بيّن فيه إساءة ممارسة السلطة الدينية، وأزمة الجماعات الإسلامية الحديثة، وأن هذه الحركات الإسلامية أطروحات متعددة في هوية الإسلام في مصر على سبيل المثال، ما بين الإسلام الوسطي المعتدل الذي يمثله الأزهر، إلى طرح فكر الإسلام السلفي، وفكر العنف والجماعة الدينية الواحدة وفكر التكفير والهجرة، وفكر الدين من أجل السياسة والسلطة، مما أثار النعرات الدينية والطائفية داخل الوطن، واشتبك الدين والسياسة في صراع بين الأخوة يؤدي إلى تفتيت وحدة الوطن، ثم تعرض لإطلاق الدولة الدينية على نظام الدولة الإسلامية، والممارسات الخاطئة التي مارستها الدولة الدينية في أوروبا في العصور الوسطي، وتفكيك أوروبا لفكر وحدة الدولة في الإسلام، وتحدث عن بعض مساقات مقولات الدولة الدينية في الإسلام التي يحسب الناظر إليها أن فيها تجسيداً للسلطة الدينية، ومن ذلك نظرية الإمامة عند الشيعة، وإدعاءات السلطة الدينية فيما نُسب لبعض الخلفاء، ووجود ممارسات خاطئة في مسيرة الحكم في عصور التخلف، وبيّن مساوئ الدول الطائفية في عصور التخلف من انقسام تفكك الجامعة الإسلامية، والإخلال بحقوق المساواة والعدالة، وغياب قاعدة الشورى.
وتحدث في الفصل الثاني عن نشأة الدولة المدنية في الغرب، وبيّن أنها دولة سيادة القانون الذي يخضع له الجميع تحكم بالقانون وتنصاع له، وهي معنية بالشأن السياسي والشأن العام، باعتبارهما مسئولية مشتركة بين الشعب والحكومة على أسس منها: أن الشعب هو مصدر السلطة، وأن شرعية السلطة مردها إلى الشعب، فالسيادة تكون للشعب، ومشاركة المواطنين في الشئون العامة والسياسية من خلال المجالس النيابية، وتقرير المواطنة لكل أفراد الشعب، في الحقوق والواجبات على قدم المساواة، دون تمييز على أساس العقيدة أو الجنس أو اللون أو المركز الاجتماعي، والمساواة في الحقوق الدستورية والسياسية والقانونية، وتمتع كل مواطن بالحقوق والواجبات، وإرساء الحريات كوسيلة لممارسة الحقوق العامة وحرية التعبير عن الدين والرأي والفكر، وحماية الحريات بأشكالها المتنوعة، وصيانة ممارستها في ظل الديمقراطية، والفصل بين سلطات الدولة، وأخصها الفصل بين الدين والدولة والسلطات العامة التشريعية والتنفيذية والقضائية، كونها ضمانة من ضمانات الحكم الديمقراطي.
ثم تحدث عن حقائق حول نشأة الدولة في الإسلام في النظام السياسي الإسلامي، والحاجة للاجتهاد في المجال السياسي في شئون الحكم والسياسة الشرعية، فهي من أوسع المجالات بحاجة إلى الاجتهاد، وتأسيس عقد اجتماعي قوامه العناية بالمصالح العامة، وإرساء التعايش وانتظام أحوال الأمة، وتحدث عن ركائز الدولة الناشئة من بناء المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وصحيفة المدينة التي جعلت سكان المدينة من المهاجرين والأنصار واليهود شعباً واحداً، يتمتع فيها جميع الأفراد بالأمن والسلام.
وفي الفصل الثالث تحدث عن السوابق السياسية في عصر الخلفاء الراشدين، وبيان التعددية في رعاية المصالح العامة من خلال اختيار الخليفة الذي يتولى رئاسة الدولة، ومحاربة الخارجين على نظام الدولة، الممتنعين عن أداء فريضة الزكاة في الإسلام، المجاهرين بالانفصال عن ولايتها، ونقض وحدتها،وتوزيع العطاء من بيت المال على المسلمين، ثم تحدث عن ممارسات النظام السياسي فيما بعد عصر الخلفاء الراشدين، ثم ختم هذا الفصل ببيان حقوق وواجبات الحاكم وعلاقته بالأمة.
أما الباب الثاني فقد جاء بعنوان: أسس الحكم والنظام السياسي، وقسمه إلى أربعة فصول، أما الفصل الأول فقد تحدث فيه عن الشورى والديمقراطية، وبيّن أن نظام الدولة الإٍسلامية يقوم على مشاركة الأمة أو الشعب، في الشئون السياسية والعامة، إذ الدولة تتأسس على أرض وشعب وسلطة، وأن مفهوم الشورى يعني: قيام الحاكم بطلب الرأي من الأمة في إدارة شئون الحكم والعمل العام تحقيقاً للصالح العام، في مجالات الحياة المختلفة، ومؤدى ذلك أن الشورى نتاج رأي وتفكير وتدبير جماعي يتم بالمشاركة بين طرفي العقد الاجتماعي وقطبي النظام، فباجتماع رأيهما تتجلى الحقيقة، وينجلى الصواب، ثم بيّن أن دولة الإسلام تأسست على الشورى، ثم بيّن مهام مجلس الشورى ومواصفاته أعضائه، ودور الهيئة أو المجلس في الرقابة والتشريع، ثم بيّن لزوم الشورى، وأنها عامة وشاملة لكل مجالات الحياة، ثم بعد ذلك انتقل للحديث عن الشورى والديمقراطية المعاصرة، وبيّن أن الشورى تختلف عن الديمقراطية في بعض الجوانب، ومنها: أن الشورى تتم في إطار مرجعية الشريعة، والديمقراطية تعتمد على السيادة المطلقة، الشورى تخول السيادة للشعب، الذي يتكون من جماعة المؤمنين، فإرادة الأمة فيها معتبرة، أما الديمقراطية فمبدأ السيادة فيها للشعب بصورة مطلقة، فلا سقف لها تقف عنده، فهو مصدر السلطات، وعموم مفهوم الأمة في الشورى عن مفهوم الأمة في الديمقراطية، وأن نظام الشورى أكثر رحابة من نظام الديمقراطية، ثم بيّن أن الديمقراطية تطور عصري للشورى، ثم تحدث عن الديمقراطية في المنظور الشرعي، وتجاوزات الديمقراطية.
وفي الفصل الثاني تحدث عن المواطنة ومفهوم المواطنة، وبيّن أنها تتأسس على المساواة في الأوضاع القانونية والاجتماعية بالمعنى العام، فالكل سواء قد انصهروا في نسيج واحد وتوحدت فيهم الجماعة الوطنية، فهي حصن يجتمع تحت رايته المسلم والمسيحي، والأعجمي والعربي، والرجل والمرأة، والرئيس والمرءوس، ثم بيّن أصول المواطنة في الشرع والسياسة من الاعتراف بالتعددية والتنوع، والانتماء والولاء، والأخوة والمودة بين الجماعة الوطنية، والوفاء لغير المسلمين بالحقوق مما يؤكد الموقف الإسلامي من التعايش المشترك من منطلق أن الشعب في الدولة الإسلامية، يتكون من المسلمين وغير المسلمين، فإن جميع أفراد هذا الشعب يكون لهم حقوق في دولة الإسلام كما عليهم واجبات، وهذا يقتضي البر بهم وحسن المعاملة، والمساواة في أمور المعايش، والمصالح الحياتية والعامة، والمشاركة في الشئون السياسية والمناصب القيادية، ثم بيّن دوائر المواطنة ومجالاتها من المواطنة الإنسانية، والمواطنة الجامعة للوحدة الوطنية، والمواطنة الدينية، ثم طبق ذلك على الشأن المسيحي المصري والحالة المصرية الراهنة، وبيّن أسباب الأزمة ومقترحات الحل للوضع الراهن.
أما الفصل الثالث فقد تحدث فيه عن حقوق الإنسان مبيناً الأساس العقدي والتشريعي للحقوق في الشريعة موضحاً الحقوق المتفردة لحقوق الإنسان في الشريعة وأن كل آدمي يمثل صرحاً بذاته في هذا الوجود الذي خلقه الله بشخصية مستقلة، ويتمتع بالخلافة عن الله في الكون، وأنه يتمتع على النطاق العالمي بحقوق إنسانية أساسية، تؤهله للقيام بمهمة الخلافة التي خصه الله بها عن الكائنات، أو المخلوقات الأخرى، كحق الحياة وحق المساواة وحق المواطنة وحق التمتع بالحريات الشخصية، وحق الكرامة، وأن هذه الحقوق إلهية في مصدرها وإنسانية ووطنية وعالمية في أهدافها، ثم بيّن حقوق الإنسان في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ثم ذكر الحقوق الإنسانية ومنها: حق الحياة في الإسلام، والمساواة، والحرية، وحقوق المرأة في الإسلام، ونظرة الغرب إلى المرأة، بيّن فيها عدة مسائل مهمة منها الذمة المالية المستقلة للمرأة، وعمل المرأة، وبيان مساواة المرأة للرجل في مجال الكسب والعمل، وحق المرأة في العمل الاجتماعي، ووضع المرأة في الحالة الراهنة، ومدى أحقية المرأة في المشاركة في المجالس التشريعية، وحكم تولى المرأة رئاسة الدولة.
أما الفصل الرابع فقد تحدث فيه عن الدولة الإسلامية المعاصرة، ونموذج الحالة الراهنة لأوطان العروبة، ونموذج التعايش الإسلامي، وبيان ضرورة التغلب على عوامل الشقاق والفرقة، ثم ذكر تطبيق على الحالة المصرية وبيّن أصالة العلاقة بين قطبى الوطن المصري، والتعايش المشترك للمسيحيين والمسلمين على أرض مصر وأنه يعد معلماً حضارياً على مدى عصور وأجيال منذ الفتح الإسلامي لهذه الأرض على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
ثم ختم المؤلف الكتاب ببيان بعض الملامح والرؤى لاستشراف المستقبل من أجل إطار جامع لعقد اجتماعي لمعالجة الأزمة القائمة على التراب المصري بين المسلمين والمسيحيين، ومنها: وقف العنف الحاصل بين أبناء الأمة، وتجفيف منابع الخلاف التي تؤدي إليه فوراً بواسطة الوسائل الودية، والوقوف بحسم ضد دعاة الفرقة والمروجين لفكر الطائفية في الداخل والخارج بين المسلمين والمسيحيين، وتشكيل لجان من الحكماء وطرح المبادرات التي تتولى مساعي الوساطة والصلح من الفريقين، من بين المشهود لهم بالنزاهة والكفاءة وذوي السمعة الطيبة والوطنية الصادقة، للقيام بسماعى حميدة من أجل الوقاية من وقوع عمليات تلحق الضرر أو الأذى بالفرد أو الجماعة، وقيام المؤسسة الدينية بدورها الديني والمجتمعي، فإن الواجب على مؤسسة الأزهر والكنيسة، توعية الجماهير المسلمة والمسيحية بصحيح الدين، ونشر قيم المودة والتسامح ونبذ التعصب والدعوة إلى السلام، في العلاقات الحياتية بين المسلم والمسيحي، وتفعيل قيم المواطنة المجتمعية، والعبور بها من المبدأ إلى الفعل والسلوك، والاحترام المتبادل للدين الإسلامي والمسيحي، واعتماد لغة الحوار البيني والمجتمعي للتعرف على المطالب، والاحتياجات التي تتطلبها مصلحة المسيحيين أو المسلمين، بما لا يتعارض مع المصلحة العامة، فهذه الحوارات هي وسيلة بناءة للانفتاح على شريك الوطن، وبحث مطالبه والتفاعل معه، وفقاً للعدالة والإنصاف، وتحقيق التفاهم، والتوحد في المواقف الوطنية.
د/أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com
نشر بجريدة عقيدتي في العدد الصادر بتاريخ 9/2/2016م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق